دروس كتابية

من عرف نفسه عرف ربه

                                              “من عرف نفسه عرف ربه”

 كل من أراد معرفة الله فليحرص على معرفة نفسه فقد قالوا :”من عرف ربه عرف نفسه” و لا يعرف أحد نفسه إلا بمجاهدتها و رياضتها و أما من خفت موازينه فأمه هاوية. أعاذنا الله من ذلك. فإن طلب الانسان المعرفة و طلبها بغيرعمل فدعوته مردودة عليه، من لم يحرث لم يجد ما يحصد و طالب المعرفة لا يلتفت إلى حظـوظ الدنيا الفانية. فالحمد لله على نعمة الإيجــاد و نعمة الإمـداد، و هذه النعم أن أوليـت للمـريد فمقتضـى الحق منه الصبـر و الـرضى و التسليم، و مقتضى الحق منه ذكر الله دائما، و المطلوب منه أن يذكره  بالإخلاص لا من أجل حظ من الحظوظ، فقد قال رسول الله صلى الله عليه الصلاة و السلام:” ازهد فيما في يد الناس يحبك الناس، و ازهد في الدنيا يحبك الله” من زهد في هذين فالثمرة أقرب من غير بين، لذلك فإن الصبر مطلوب على كل حال في الجمال و الجلال لأن الحق متجلي بينهما، و الله يحب الصابرين، فالمـرء لا يركـــن إلى نفسه و لا إلى ما تهواه،  و قد قال ابن البنا رضي الله عنه في مبحثه:” و من يبح للنفس ما تهواه، فإنما معبوده ما سواه” فعلى المريد أن يكون فطنا متيقظا لما ينفحه به ربه من نفحات، فتعرضوا لنفحات الله قال رسول الله صلى الله عليه و سلم:” إن في أيــــام دهركم نفحات فتعــــرضوا لنفحــــات الله” و النفحات تأتي على حسب السوابق فربما تحف من الجلال أكثر من تحف الجمال، فالجمال مفرح للنفس و كل ما تحب النفس فهو على صاحبها، و الجلال مؤدب لها إن رضي به صاحبه كان و لا شك عارف بربه لا يفوته خير الدنيا و لا خير الآخرة، قال سبحانه و تعالى:” وما فعل ربكم قالوا خيرا” و إياكم أن تجهلوه في أمر من الأمور فهو متجلي في كل الأمور من الجلال و الجمـــــــال و القول و الفعل، و قال شيخ شيوخنا سيدي مولاي العربي الدرقاوي رضي الله عنه في بعض رسائله في وقت الجلال: الثبات الثبات و الصبر على البلية و ما وقع لنا إلا لما وقع لمن قبلنا من الأنبياء و الأولياء فأبشروا إخواني بالخير و المزية الذي استخبركم في إيمانكم كما يستخبر أشياخكم و أشياخ أشياخكم قال تعالى:”ألم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا و هم لا يفتنون”
  و الحاصل في طريقتتنا هذه اجتناب الكلام الذي لا يعني المريد في دينه و اشتغاله بذكر ربه يكون من أخيار القوم، و أنه من أراد أن يكون قويا على الدوام و من أراد أن يكون عالما على الدوام أن يتبع السلف الصالح على الدوام، و من أراد أن يكون عزيزا على الدوام أن يكون ذليلا، و من أراد أن يكون عالما على الدوام أن يكون جاهلا على الدوام، و لا يرفع نفسه  على أحد سواء كان من المسلمين أو من النصارى أو من أهل الذمة، فكم من واحد مقته الله من تكبر نفسه على عباد ربه ، فإن المخلوقات جواهر، وكل جوهر تجلى فيه مولاه بما ظهر فيه، و عاش من عرف قدره و جلس دونه، و لا خاب عبد سلك ما سبق ذكره، و إن فعل المريد شيئا من العبادات أو ما شابه ذلك فعمله لمولاه مخلصا و لا يطلب الجزاء عليه لأن ذلك ليس منه و إنما من مولاه :” إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي”
ذو العلم بعلمه يزيد تحيرا و ذو الجهالة في جهله ينعم، العلم الذي يظهر من الظاهر، لايؤثر في الباطن، و ما يظهر من الباطن، يؤثر في الظاهر، و تسجد له جميع العوالم، يعني العلــــــــــــوية و السفلية،لقد بلغنا الله بنيتنا و محبة فينا إلى ما كنا قاصدين إليه، و عازمين عليه فإن القصد يبلغ المامول من الطلب و كنت ذقنت من أيام صغري قبل بلوغي بأعوام كثيرة، ثم بعد ذلك حصل اتساع و تنقلت عما كنا فيه من قلة أمر المعرفة، و كان الوقت بعيدا، و لم تــزل همتي طالبة لذلك، و عزمي عليه، و سخر الله لي ذلك حتى قرأت القرآن العظيم، و جديت في الطلب حتى أراد الله بي خيرا، أدركني الله برضاه و ألهمني لزيارة من يرشدني و كانت المزية له أنه يسهرعلى تهذيب نفسي و إحياء قلبي جزاه الله عنا و عن المسلمين خيرا فهو بحر العرفان و قدوة السالكين و مكمل الواصلين سيدي و اثمد بصيرتي و نور قلبي و صفاء سريرتي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:”مع من تكون بحاله تكون”. و قال من جالس العطار فاح بطيبه، و من جالس الحداد نال السواد و أريحوا أنفسكم من التدبير و الاختيار، فإنهما يكدران عيش الانسان و لايقول الفقير الصديق كيف ذلك؟ فيترك التدبير بيد المدبر و يقول : الله ، الله دائما مدة عمره فقد قال بعضهم: كل ما يشتاقه المشتاق فهو في ذات الخلق، فإن أردت الكرائم فكن عبدهم و الزم لنفسك الله. الله ، الله دائما ليلا و نهارا حتى تكون نفسك طالعة به هابطة به، و يمتزج بلحمك و دمك و عروقــــــك و عظمك و ظفرك فإن سره يظهر عليك فقد قال شيخ شيوخنا مولاي العربي الدرقاوي رضي الله عنه:” من كان فانيا في الإسم الأعظم تكون له الكرامة  عند التمني ، و من كان فانيا في الذات تكون له قبل التمني، و لا يبعد ذلك على الذاكر، فمن كان فانيا فيه كما قلنا بجميع خصائصه على لسانه.
و تظهرعلينا كرائم كثيرة من هذا و أكثر،و من أهم الكرائم الاستقامة  و الرجــــوع للعبوديـــــــة لله و التذلل له و الخضوع له عند كل شيء، و يقول الله الله، إى أن يموت فهذه علامة السعــــادة و هي علامة الخير الكبير و علامة الفلاح و لا شيء أكبر من ذكرهو قهر النفس فيما يرضيه.
 نفعني الله و إياكم بالقرآن الكريم و أنار الله قلوبنا و قلوبكم بأنواره و ملأها بأسراره آمين، و نسألكم الدعاء جزاكم الله خيرا.
بقلم الفقير أحمد الهبري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى