دروس كتابية

مقام التصوف من الدين

سلسلة التعريف بالتصوف

الدرس الأول: مقام التصوف من الدين

بسم الله الرحمان الرحيم، الحمد لله المتفرد بوحدانية الألوهية، المتعزز بعظمة الربوبية، القائم على نفوس العالم بآجالها، العالِم بتقلبها وأحوالها، المان عليهم بتواتر آلائه، المتفضل عليهم بسوابغ نعمائه

وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد نور الهدى والرشاد، وشفيع أمته يوم الميعاد، وصاحب المحجة البيضاء، التي لا يزيغ عنها إلا هالك، وعلى آله وصحبه الطاهرين. وعلى ورثة نوره إلى يوم الدين

لعل من بين ما أضحى يثقل كاهل الأمة الإسلامية ويفرق شملها كثرة وتنوع التسميات، وتفرع السبل والطرقات، واختلاف المناهج والغايات، مما جعل المسلم تائها بين كثرة الكتب والمصنفات، متوجسا من الوقوع في الزلات، متحريا أسباب النجاة، فهذا مرهِّب وذاك مرغِّب، هذا ميسِّر وذاك معسِّر، هذا يدعو إلى حدود الشرع من منطوق الآيات، وذاك يستنبط من الحدود مكامن الغايات، هذا يدعو إلى نفسه، وذاك يدعو إلى مذهبه، وآخر يدعو إلى فرقته، والدين واحد، والرسول واحد، والإله واحد أحد

إن في الاختلاف رحمة، وفي التنوع حكمة، بيد أن البحث عن الحق مطلوب، وتحري الصدق في ذلك مرغوب. فلنعد إذن إلى الأصل لننطلق من ينبوع الدين، ولنلتمس الرشاد من المبعوث رحمة للعالمين، ولنترك التعصب للمذهب والفرقة، لئلا نحاسب بحجة :” قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ ۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي ۖ وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ” سورة يوسف، الآية 108

جاء في صحيح مسلم، عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال : بينما نحن جلوس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم ، إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب ، شديد سواد الشعر ، لا يرى عليه أثر السفر ، ولا يعرفه منا أحد ، حتى جلس إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأسند ركبته إلى ركبتيه ، ووضع كفيه على فخذيه ، وقال : ” يا محمد أخبرني عن الإسلام ” ، فقال له : ( الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ، وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة ، وتصوم رمضان ، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا ) ، قال : ” صدقت ” ، فعجبنا له يسأله ويصدقه ، قال : ” أخبرني عن الإيمان ” قال : ( أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ، وتؤمن بالقدر خيره وشره ) ، قال : ” صدقت ” ، قال : ” فأخبرني عن الإحسان ” ، قال : ( أن تعبد الله كأنك تراه ، فإن لم تكن تراه فإنه يراك ) ، قال : ” فأخبرني عن الساعة ” ، قال : ( ما المسؤول بأعلم من السائل ) ، قال : ” فأخبرني عن أماراتها ” ، قال : ( أن تلد الأمة ربتها ، وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء ، يتطاولون في البنيان ) ثم انطلق فلبث مليا ، ثم قال : ( يا عمر ، أتدري من السائل ؟ ) ، قلت : “الله ورسوله أعلم ” ، قال :  فإنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم

يعرف هذا الحديث أركان ومنازل الدين الثلاثة، والتي شملت الإسلام والإيمان والإحسان، فإن نحن وقفنا عند كل منها ببعض التأني نتمكن من وضع أسس تكفّل أمين الوحي باستعراضها على الصحابة، حتى تكون لنا نبراسا نهتدي بنوره إلى ما من أجله بعث نبي الهدى صلى الله عليه وسلم

 الإسلام

جاء في الحديث أن الإسلام يتأسس على خمسة أركان، وهي الشهادتين، الصلاة، الزكاة، صوم رمضان، وحج بيت الله الحرام. فالإسلام هو عبادات أوجبها الله على عباده بالكيفية التي أمرنا بها الحق عز وجل، وفصلها سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ليكون الإسلام بهذا المعنى طاعة وعبادة. والإسلام هو المنزلة الأولى أو الدرجة الدنيا من الدين، بناء على الآية الكريمة التي فرّق بها الحق عز وجل بين الإسلام والإيمان “قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا ۖ

قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَٰكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ” الحجرات، الآية 14. فدائرة الإسلام أعم من دائرة الإيمان، ذلك ان كل مؤمن مسلم وليس كل مسلم مؤمن بالضرورة

تأسيسا على ما سبق، يمكن القول بأن محل الإسلام هو الجوارح، فيمكن للعبد القيام بالعبادات المذكورة على أكمل وجه، دون أن تنعكس على قلبه، فيكون كمن غرس الشجرة واعتنى بها إلى أن أينعت، فأهملها ولم يأبه بقطاف ثمارها

الإيمان

أما الإيمان فيتأسس على ستة أسس، تقوم على الإقرار بالقلب، والنطق باللسان، والعمل بالجوارح. وهنا يكون القلب هو محل الإيمان، وأصل النطق باللسان، فتتأسس العبادات على الإيقان، ويحيى الدين بنور العدنان لذلك كان الإيمان أرفع درجة من الإسلام، فإن كان الإسلام طاعة وعبادة، فإن الإيمان نور وعقيدة، فالمؤمن من كان تصديقه حائلا بينه وبين وساوس الشيطان ومكائد النفس الأمارة، فلا تغيره ظروف ولا تقهره ابتلاءات ولا تزحزح قلبه شكوك بخالقه عز وجل، فقد وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم المؤمن بقوله:” عَجَبًا لأمرِ المؤمنِ إِنَّ أمْرَه كُلَّهُ لهُ خَيرٌ وليسَ ذلكَ لأحَدٍ إلا للمُؤْمنِ إِنْ أصَابتهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فكانتْ خَيرًا لهُ وإنْ أصَابتهُ ضَرَّاءُ صَبرَ فكانتْ خَيرًا لهُ ” رواه مسلم، فنور الإيمان يهدي صاحبه إلى التحقق من معية الحق عز وجل، فهو شاكر للحق على مننه، صابر على محنه، متعلق به في السراء والضراء، مؤمنا بقوله تعالى: “أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ” العنكبوت، الآية 2. فابتلاءات المؤمن اختبارا لصفاء قلبه ونقاء سريرته، ومقياسا لدرجة ثباته ومدى تصديقه

الإحسان

أما الإحسان فهو الدرجة الأسمى، والمرتبة الأرقى، والغاية القصوى من الدين، فهو الثمرة التي يولدها التصديق بالقلب والعمل بالجوارح، فإن كان الإسلام طاعة وعبادة، وإن كان الإيمان نور وعقيدة، فإن الإحسان هو مقام مراقبة مشاهدة. وإن كان الإسلام للعامة، وإن كان الإيمان للخاصة، فإن الإحسان لخاصة الخاصة، لمن اجتباهم ربهم لفهم جوهر الدين، والانقطاع لعبادته عز وجل في كل وقت وحين، والفناء عن المخلوق والبقاء بالخالق، وسبر أغوار الأنوار لنيل الحقائق وهنا يندرج التصوف، وإن كان مصطلح “تصوف” قد استحدث في صرح العلوم الإسلامية، فليس مرد ذلك إلى أن الصوفية قد استحدثوا سلوكا يخالف ما جاء به المصطفى عليه الصلاة والسلام، بل إن سلوكهم متجذر في صميم ما دعا إليه ديننا الحنيف، فأن تعبد الله كأنك تراه هو مطلب عزيز الشأن، صعب المنال، يقتضي من العبد التمرن والتمرس لمخالفة هواه، والتوجه بهمته إلى مولاه

ولعل الوقوف عند الأصل اللغوي للتصوف هو أمر لا طائل من ورائه، بالنظرة إلى كثر ما قيل فيه، فهناك من رده إلى الصفاء، ومن رده إلى لبس الصوف، ومن رده إلى أهل الصفة، ولا حرج أن نأخذ بكل ذلك، فكل تعريف قد سلط الضوء على جانب من الموضوع. أما تعريف التصوف الاصطلاحي فقد تعددت وجهات النظر إليه أيضا بتنوع وتفاضل المقامات والمشارب، فالتصوف علم أذواق وليس علم أوراق كما قيل، فقد عرف الجنيد قدس الله سره التصوف بقوله “أن يمتك الله عنك ويحييك به

وقد يتساءل السائل عن سبب عدم ظهور هذا المصطلح في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، ولما لم يذكره أحد من الصحابة، وهو بهذا كمن يتساءل عن عدم ظهور علم الفقه وعلم التوحيد وعلوم الحديث وعلم الأصول

وغيرها، فهذه العلوم جملة ظهرت بعد أفول عصر أكابر الأمة وأخيارها، فكانت ضرورة التدوين ملحة، وأهمية التأصيل كبيرة، لئلا تندثر أصول الدين، فإن كان القرآن الكريم لم يدون في عصر النبي صلى الله عليه وسلم فكيف يمكن الحديث عن علوم أقل مرتبة منه؟

أما كون الصوفية فرقة ظهرت في القرن الثاني بعدما أقبل الناس على ملذات الحياة الدنيا، وبدت عليهم مظاهر البذخ والترف، فإن الأصح هو أن الابتداع يكمن في ظهور من ينشغل عن ذكر الله بإقباله على الدنيا، فالدعوة إلى التصوف هي دعوة إلى التمسك بمنهاج النبي صلى الله عليه وسلم، الذي لم يأخذ من حظوظ الدنيا سوى ما كان يسد رمقه، مع أنه كان يمتلك مفاتيح الدنيا والآخرة، فقد كان همه الانشغال بالخالق عن المخلوق، وتطهير القلوب وإعداد النفوس لاستقبال الأنوار الربانية، والحقائق الإلهية

قد عرّف الشيخ زروق علم التصوف بكونه “علم قُصد لإصلاح القلوب وإفرادها لله عز وجل عما سواه”، فالتصوف سلوك يعيد العبد إلى جوهر الدين، ويبث الحياة في النفوس التي أفنتها الشهوات، وغيبتها مظاهر العجب و التجبر، للتحقق في مقام العبودية، باعتبارها غاية العبادة، فإذا لم يشعر العبد بالذل الذي يقابل عزة ربه فليس له من العبادة سوى التعب والمشقة، لذلك قلنا فيما سبق أن مقام الإحسان هو أسمى مقام، والتحقق فيه هو بلوغ الغاية الوحيدة التي من أجلها خلق العبد “وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون”. فمقام التصوف بمثابة مقام القلب من الجسد، فالقلب هو الذي يبث الحياة في الجسد، وما الجسد بدون قلب سوى جثة هامدة لا حركة فيها.

بقلم الأستاذ إدريس الرباطي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى