دروس كتابية

باب خلق المخلوقات

بسم الله الرحمن الرحيم

باب خلق المخلوقات

 

الحكمة هي علم الأشياء بمبادئها و عللها الأولى ، و تعني أيضا نظرة المرء للكون و الحياة و موقفها منها و نهجه فيها ، و الحكمة بهذا المعنى الواسع و المدلول الرحب تتجلى في الإسلام الحنيف ، فهو يشف عن حكمة عميقة رحبة و سهلة ممتنعة ترضي الناس جميعا على اختلاف عقلياتهم و مستوياتهم الفكرية ، و تقفى بهم إلى رحاب الحقيقة الكبرى و السعادة الحقة في الدنيا و الآخرة و إذا كانت الحكمة تعني صواب المرء و سداده و موافقة الحق و الحقيقة ، فالإسلام منبع الحكمة الخالدة و شمسها الساطعة ، يتبارى فيه الصواب و الرشاد و الحق و الحقيقة: معرفة خالق الخلق، معرفة الله سبحانه و تعالى إذ يقول جل جلاله:” كنت كنزا مخفيا فأحببت أن أعرف فخلقت الخلق فبي عرفوني” و يقول عز من قائل:” وَ ما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الْإنْسَ إلاّ لِيَعْبُدون” قال بن عباس ليعبدون ليعرفون. الإيمان بالله وحده لا شريك له ، لذلك قال الحكماء :” رأس الحكمة مخافة الله ” فالنطق السليم يقول لنا إن هذا الكون الرحب الذي يعجز عقل الإنسان عن الإلمام به و الذي يسير وفق نظام رائع محكم ، لا يعقل أبدا أن لا يكون له خالق عظيم حكيم ، و يستحيل أبدا أن يكون قد وجد بطريق الصدفة كما يقول الماديون و الملحدون ، إذ لا بد له من خالق قدير حكيم لا حد لقدرته و حكمته و علمه ، ألا و هو الله تعالى العلي القدير العليم الحكيم ، و لا غروة فلكل مصنوع صانع و لا يوجد شيء بطريق الصدفة ، كما يدل ذلك واقع الأمر و الحياة ، و ننظر فــي هذا الكون فنــرى وحـدة أزلية و نسقا واحدا في نظامه و خلقه ، فلا تفاوت و لا اختلاف في تركيبه و بنائه و وحدة الخلق من وحدة الخالق ، قال الله تعالى :” تَبَارَكَ الّذي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَ هُوَ عَلى كُلّ شَيْءٍ قَديرٌ الّذي خَلَقَ الْمَوْتَ وَ الْحَياةَ لِيَبْلُوَكُم أَيٌكُم أَحْسَنُ عَمَلًا وَ هُوَ الْعَزيزُ الْغَفورُ الّذي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاواتٍ طِباقاً ما تَرى في خَلْقِ الّرّحْمَنِ مَنْ تَفاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرى مِنْ فُطورٍ ثُمّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرّتَيْنِ يَنْقَلِبِ إِلْيْكَ الْبَصَرُ خاسِئًا وَ هُوَ حَسيرٌ ” الملك /1-4 . و لو كان هناك أكثر من إلاه واحد لهذا الكون لرأينا أكثر من نظام واحد له ، و لوجدنا لكل إلاه نظاما خاصا به ، و لحدث انقسام و انفصال بين الآلهة كما يحدث ذلك بين افراد الأســرة الواحـــدة ، و أعضاء الشركة الواحدة ، و نرى هذا الحق و هذه الحقيقة في قوله تعالى :” لو كانا فيهما آلهة إلا الله لفسدتا فسبحان الله رب العرش عما يصفون ” النساء 22 . و من البديهي أن يكون الله تعالى محيطا علمه بكل كبيرة و صغيرة فيما خلق من كائنات و مخلوقات ، كما أن الذي صنع سيارة يعرف كل أجزائهــا و دقائقها ، و الذي بنى عمارة لا يخفى عليه شيء فيها ، و في ذلك قال الله تعالى :” الله لا إلاه إلا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة و لانوم له ما في السماوات وما الأرض من ذا الذي يشفغ عنده إلا بإذنه يعلم ما بين أيديهم و ما خلفهم و لا يحيطون بشيء من علمه إلابما شاء وسع كرسيه السماوات و الأرض و لا يؤوده حفظهما و هو العلي العظيم ” البقرة /255 .و قال جل شأنه :” ألم تر أن الله يعلم ما في السماوات و ما في الأرض ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم و لا خمسة إلا هو سادسهم و لا أدنى من ذلك و لا أكثر إلا هو معهم أينما كانوا ثم ينبئهم بما عملوا يوم القيامة إن الله بكل شيء عليم ” المجادلة /7 . و لسائل أن يسأل : من هو الذي خلق الله خالق الإنسان؟ تمشيا مع النظرية التي تقول إنه لا بد من وجود صانع لكل مصنوع ؟ فيقال له : إن هذه القاعدة لا تنطبق على الله، إذ الله تبارك و تعالى خلق الكون كله و لم يخلقه أحد فهو جل شأنه الأول و الآخر، و كما أن الصفر الذي يعني لاشيء قبل العدد واحد كذلك لا شيء يسبق الله الواحد الأحد الصمد الذي لم يلد و لم يولد كما قال عز و جل :” قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد و لم يولد ولم يكن له كفؤا أحد ” الإخلاص . و هذا غاية ما يصل إليه عقل الإنسان المحدود ، فإذا ما حاول الإنسان أن يتجاوز هذا الحد في هذا الشأن ضل و تاه دون أن يصل إلى نتيجة ، و إذا مضينا في هذه السلسلة من الأسئلة و التساؤلات : من هو الذي خلق الله ؟ من هو الذي خلق الذي خلق الله ؟ و هلم جرا . عرفنا في خضم هذه الأسئلة التي تعتبرالإجابة عليها مسألة فوق مستوى عقل الإنسان و تفكيره ، و لا غرو في ذلك فعقل الإنسان محدود و له طاقة معينة لا يمكنه تعديها و الله سبحانه و تعالى لا محدود ، و المحدود يعجز عن الإدراك كنه ألا محدود ، كما أن ضوء المصباح يضيع في نور الشمس ، و غاية ما يدركه الإنسان في مسألة الخلق و الوجود أن هذا الكون له خالق واحد هو الله تعالى وحده لا شريك له ، كما تنطق بذلك آيات الله البينات في الآفاق و في خلق السماوات و الأرض و اختلاف الليل و النهار، و في نفس الإنسان و في كل شيء ، قال الله تعالى :” إن في خلق السماوات و الأرض و اختلاف الليل و النهار لآيات لأولي الألباب الذين يذكرون الله قياما و قعودا و على جنوبهم و يتفكرون في خلق السماوات و الأرض ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار” آل عمـــــران /190.191. و قال عز وجل :” سنريهم آياتنا في الآفاق و في أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق ” فصلت /52. أما إدراك كنه الذات الإلهية فمسألة فوق طاقة العقل البشري المحدود و إذا الإنسان مد نظره إليها ارتد إليه طرفه و هو حسير و خطف بصره و صعقه نور الله الذي يغمر السماوات و الأرض و إذا كان نور السيارة يخطف بصره فكيف بنور الله الذي يضيء الكون كله ، و إذا كان الإنسان عاجزا عن إدراك كنه روحه التي بين جنبيه و في جسمه ، فكيف و الحالة هذه يدرك كنه ذات الله تعالى ؟ و مسألة خلق الإنسان التي وردت في القرآن الكريم و سائر الكتب السماوية الصحيحة ففي الحقيقة الناصعة التي لا ريب فيها ، فقد خلق الله أبانا آدم من الطين ، و خلق أمنا حواء من نفس آدم ، فتزوجا لينجبا و يتوالدا و هكذا كانت بداية الجنس البشري ، و لا يعقل أبدا أن تكون قد بدأت بطفلين لأن الطفل لا يستطيع أن ينمو و يعيش بلا حضانة و رعاية ، و إذا كانت بدأت بطفلين فمن كان والداهما ، و إذا كان لهما والدان فلا بد أن يكون لهما خالق خلقهما هو الله تعالى ، و لا يمكن أن يكونا قد خلقا بطريق الصدفة ، و يستحيل أن يكونا قد خلقا أنفسهما بنفسهما لأن لكل مخلوق خالقا و لكل مصنوع صانعا يدل على ذلك واقع الحياة فالإنسان لم يستطيع حتى الآن أن يخلق و لو حشرة حية ، و لا حبة فاكهة ، فكيف يخلق بشرا سويا ناطقا ، فما صنعه الإنسان هو آلات و أجهزة جامدة ، و منظر حشرة أو زهرة أو شجــــرة أو فاكهـة من البلاستيك ، أو ثمثال ميت جامد لإنسان أو حيوان ، و مسألة خلق الإنسان من طين هي الحقيقة الناصعة الخالدة التي تدحض أية رواية أخرى عن أصل الإنسان و مصدر خلقه و لا أدل على ذلك من أن الإنسان و كل كائن حي يعود إلى أصله التراب بعدما يموت و لا غرابة في ذلك فكل شيء يرجع في النهاية إلى أصله و إيماننا دائما قاله خالقنا الله تعالى عن خلق الإنسان ، يحتم علينا الإيمان بوجود حياة أخرى يبحث فيها الإنسان الذي مات و صار عظاما نخرة ليحاسب على أعماله في الدنيـــا ، ومن شك في قدرة الله تعالى على إعادة خلق الإنسان بعد موته و فنائه نقول له إن الله الذي خلق الإنسان من صلصال لقادر على إعادة خلقه مرات كثيرة و كذلك في جميع المخلوقات، يقول الله عز وجل:”كما بدأنا أول خلق نعيده وعدا علينا إنا كنا فعلين “. نرى أن الذي صنع السيارة يستطيع أن يعيد صنعها مرة ثانية بعد أن تتحطم و تبلى. و البناء الذي بنى عمارة يستطيع إعادة بنائها إذا ما انهارت و سقطت ، و في ذلك يقول الله تبارك و تعالى :” الله يبدأ الخلق ثم يعيده ثم إليه ترجعون ” الروم /11 و قال عز و جل :” و هو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده و هو أهون عليه وله المثل الأعلى في السماوات و الأرض و هو العزيز الحكيم ” الروم / 27 . و الذي لا يعرف أن الله هو الذي خلق الخلق هو إنسان محجوب البصيرة و منقطع الإشعاع و إذا فقد الإشعاع ضاعت المعرفة و لم يعد له أي اعتبار. و من أراد أن ترفع عنه الحجب و تنور بصيرته عليه اتباع المنهاج الإلهي في قوله سيحانه و تعالى :” الذين يذكرون الله قياما و قعودا و على جنوبهم و يتفكرون في خلق السموات و الأرض ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك” من خلال الآية يتبين لنا أن الذكر أولا فهو المفتاح و هو الوسيلة التي تنير القلب يقول ربنا سبحانه و تعالى:” يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا و سبحوه بكرة و أصيلا هو الذي يصلي عليكم و ملائكته ليخرجكم من الظلمات إلى النور” إذا بكثرة الذكر ينير الله سبحانه و تعالى بصيرة العبد فيصبح عارفا بالله يمشي بخطى ثابثة في طريق الله إلى أن يصل إلى التفكر في الخلق. و لنا أن نتساءل : هل يعقل أن يكون الفناء الأبدي مصير هذا الجمال البشري الساحر و هذه المواهب و العبقريات الإنسانية الرائعة ؟ كلا و ألف كلا فلا بد أن يكون لهـــا حياة أخرى في دار الحـــق و البقـــاء و الخلــود . و يستحيل أن تكون قد أوجدت بطريقة عفوية تلقائية و ذلك من آيات الله البينات التي تنطق بقدرته و عظمته و حكمته كما قال تعالى :” و مـــــن آياته خلق السماوات و الأرض و اختلاف ألسنتكم و ألوانكم إن في ذلك لآيات للعالمين ” الروم / 22 . و قد خلق الله تعالى هذا العالم بالحق و الصدق و لم يخلقه عبثا و لا باطلا كما قال جل شأنه :” سبحانك ربنا ما خلقت هذا باطلا ” و قال تعالى :” و ما خلقنا السماء و الأرض و ما بينهما لاعبين ” الأنبياء / 16 . و قد خلق الناس و جعل لهم أجلا مسمى في هذه الحياة الدنيّــا ليبلوهــم بالخيـر و الشر و ليعلم أنهم أحسن عملا كما قال الله عز و جل :” الذي خلق الموت و الحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا الملك / 2 .و الإنسان في هذه الدنيا معلق بمشيئة الله و رحمته و معرض للموت في كل وقت و لا يدري أين و لا متى يصعد إلى الملإ الأعلى كما قال تعالى :” و ما تدري نفس ماذا تكسب غدا و ما تدري نفس بأي أرض تموت ” لقمان / 24 . وجوده فيها قصير مؤقت و هو فيها عابـر سبيل و ضيف زائر فالأيام تمر مر السحاب . و كل يوم يمضي يدني الإنسان من أجله المحتوم و ينقص من عمره المقدر له ، لذلك كان مستقبل الإنسان الحقيقي الدائم في الحياة الآخرة دار الحق و الخلود لا في دار الموت و الفناء لا يضع ذلك نصب عينيه إلا أولو الألباب و إيمان الإنسان بذلك بالتــواب و العقاب و بأن عين الله الحي القيوم لا تأخذها سنة و لا نوم و تراه ليلا و نهارا سرا و إعلانا ، تجعله صالحا طيبا مثمرا لا يقول و لا يفعل إلا خيرا ، و لا شيء يجعل الإنسان طيبا مثمرا كالإيمان بالله تعالى كما يدل على ذلك واقع الحياة و يشهد واقع الحياة كذلك بأن الشرور و الآثام يقترفها دائما الذين لا يعرفون الله و لا يتقونه. فبمعرفته المسلم ربه يصبح عمله و أكله و ملبسه، حياته كلها طبق الشريعة الإسلامية كما قال رسول الله صلى عليه و سلم :” لا يزني الزاني حين يزني و هو مومن و لا يشرب الخمر حين يشربها و هو مومن ، و لا يسرق السارق حين يسرق و هو مومن ” رواه البخاري . فالمسلم الواعي المستنير يأكل و يشرب و لا يسرف عملا بقوله تعالى :” كلوا و اشربوا و لا تسرفوا ” الأعراف / 21 . و قيل :” ارفع يدك عن الطعام و أنت تشتهيه ” و كان رسول الله صلى الله عليه و سلم لا يأكل إلا إذا جاع و إذا أكل لا يملأ بطنه من الطعام. و قيل :” البطنة تذهب الفطنة “. و المسلم الحق يتزوج و يبني أسرة و ينجب أولادا ، و يربيهم تربية صالحة ، و الإسلام دين يتمشى مع الفطرة السليمة و واقع الحياة ، و المسلم المستنير القوي ما دام قادرا على العمل لا يتوقف عن الزرع و الغرس و البناء و التعمير حتى آخر يوم من حياته يحفزه إلى ذلك قوله صلى الله عليه و سلم :” إذا قامت الساعة و في يد أحدكم فسيلة فليغرسها ” رواه أحمد . و بذلك ينفع نفسه و أهله و يخدم أمته و بلاده و يضمن لنفسه مستقبلا كريما في دار الحق و الخلود ، فحياة الإنسان الأخروية مرتبطة بالعمل في الدنيا ، فمن زرع نباتا طيبا يحصد وردا عاطرا في الآخرة و من زرع نباتا مرا و شوكا حصد المر و الشوك في الحياة الأخرى كما قال الله تعالى :” فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره و من يعمل مثقال ذرة شرا يره ” الزلزلة /7 و 8 . و الإسلام الحنيف يأمر بالإيمان بالقضاء و القدر خيره و شره ، قال تعالى :” قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا ” التوبة /51 . و قال عز و جل :” لكل أمة أجل إذا جاء آجلهم لا يستاخرون ساعة و لا يستقدمون ” يونس /49 . و قال رسول الله صلى الله عليه و سلم :” استعن بالله و لا تحزن ، و إن أصابك شيء فلا تقل لو أني فعلت كذا و كذا ، و لكن قل قدر الله و ما شاء فعل فإن لو تفتح عمل الشيطان ” رواه مسلم و بن ماجة ، فهذا الإيمان الصادق بالقضاء و القدر خيره و شره يجلب لصاحبه السكينة و الراحة النفسية و لا يجعل نفسه تذهب حسرات على ما يصاب به ، فهو لم يألو جهدا في دفع الخسارة و الضرر 

فالعارف بالله حقا يعتبر ما يصيبه من يسر أو عسر ابتلاء و اختبار لإيمانه عملا بقوله تعالى : و نبلوكم بالشر و الخير فتنة و إلينا ترجعون 

جازى الله عنا شيخنا عن ما تلقيناه منه من أنوار و سلوك و معرفة و زاده من علومه و أنواره ، و أرجو من الله العفو و المغفرة عن كل خطإ أو نسيان أو سهو و للقارئ مثل ذلك و السلام .
بقلم الفقير احمد الهبري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق