دروس كتابية

باب بيان فضيلة التواضع

بسم الله الرحمان الرحيم و صلى الله و سلم على سيدنا محمد و على آله و صحبه

باب بيان فضيلة التواضع

استحقر نفسك و عظم غيرك

قـال رسول الله صلى الله عليه و سلم: ما زاد الله عبدا بعفو إلا عزا، و ما تـواضـع أحـد لله إلا رفعـه الله. و قال أيضا: ما من أحد إلا و معه ملكان و عليه حكمة يمسكانه بها، فإن هو رفع نفسه حذاءها قالا: اللهم ضعه وإن وضع نفسه قالا: اللهم ارفعه. و قال صلى الله عليه و سلم : طوبا لمن تواضع في غير مسكنة و أنفق مالا جمعه في غير معصية، و رحم أهل الذل و المسكنة و خالط أهل الفقه و الحكمة. و عن أبي سلمة عن أبيه عن جده قال: كان رسول الله صلى الله عليه و سلم عندنا بقباء و كان صائما فأتيناه عند إفطاره بقدح من لبن، وعلنا فيه شيئا من عسل فلما رفعه و ذاقه وجد حلاوة العسل، فقال ما هذا؟ قلنا يا رسول الله جعلنا فيه شيئا من العسل فوضعه أما إني لا أحرمه و من تواضع لله رفعه الله و من تكبر وضعه الله، و من اقتصد أغناه الله، و من بذر أفقره الله و من أكثر ذكر الله أحبه الله، حديث أبي سلمة وروى أن النبي صلى الله عليه و سلم كان في نفر من أصحابه في بيته ياكلون فقام سائل على الباب و به زمانة يتكره منها فأذن له فلما دخل أجلسه رسول الله صلى الله عليه و سلم على فخذه ثم قال له: أطعم فكأن رجلا من قريش اشمأز منه و تكره، فما مات ذلك الرجل حتى كانت به زمانة مثلها. وقال رسول الله صلى الله عليه و سلم: خيرني ربي بين أمرين أن أكــــون عبدا رسولا أو ملكا نبيا، فلم أدر أيهما أختار؟ و كان صفي من الملائكة جبريل فرفعت رأسي إليه فقال تواضع لربك فقلت عبدا رسولا. و أوحى الله تعالى إلى موسى عليه السلام إنما أقبل صلاة من تواضع لعظمتي و لم يتعاظم على خلقي و ألزم قلبه خـــوفي، و قطع نهاره بذكري، وكف نفسه عن الشهوات من أجلي. و قال صلى الله عليه و سلم” الكرم التقوى و الشرف التـواضع، و اليقين الغنى، و قال المسيح عليه السلام طوبى للمتواضعين في الجنة هم أصحاب المنابر يوم القيامة، طوبى للمصلحين بين الناس في الدنيا هم الذين يرثون الفردوس يوم القيامة، طوبى للمطهرة قلوبهم في الدنيا هم الذين ينظرون إلى الله يوم القيامة. و قال بعضهم: إن النبي صلى الله عليه و سلم قال: إذا هدى الله عبدا للإسلام وحسن صورته و جعله في موضع غير شائن له، و رزقه مع ذلك تواضعا ذلك من صفوة الله. و قال صلى الله عليه و سلم أربع: لا يعطيهـم الله إلا من أحـب: الصمت و هو أول العبــادة و التوكل على الله،و التواضع و الزهد في الدنيا. و قال بن عباس قال رسول الله صلى الله عليه و سلم إذا تواضع العبد رفعه الله إلى السماء السابعة و قال أيضا التواضع لا يزيد إلا رفعة، فتواضعوا يرحمكـم الله و يروى أن رسول الله صلى الله عليه و سلم كان يطعم فجاء رجل أسود به جدري قد تقشر فجعل لا يجلس إلى أحد إلا قام من جنبه، فأجلسه النبي صلى الله عليه و سلم إلى جنبه. و قال صلى الله عليه و سلم ” إنه ليعجبني أن يحمل الرجل الشيء في يده يكون مهنة له يدفع به الكبرعن نفسه. و قال النبي صلى الله عليه و سلم لأصحابه يوما مالي لا أرى عليكم حلاوة العبادة، قالوا وما حلاوة العبادة؟ قال : التواضع. و قال صلى الله عليه و سلم: إذا رأيتم المتواضعين من أمتي فتواضعوا لهم و إذا رأيتم المتكبرين فتكبروا عليهم فإن ذلك مذلة لهم وصغار. و في الأثار قال عمر رضي الله عنه ” إن العبد إذا تواضع لله رفع الله حكمته” و قال جرير بن عبد الله: انتهيت مرة إلى شجرة تحتها رجل نائم قد استظل بنطع له و قد جاوزت الشمس النطع فسويته عليه ثم إن الرجل استيقظ فإذا هو سلمان الفارسي فذكرت له ما صنعت فقال لي: جرير تواضع لله في الدنيا فإنه من تواضع لله في الدنيا رفعه الله في الآخرة يا جرير أتدري ما ظلمة النار يوم القيامة قلت لا قال إنه ظلم الناس بعضهم بعضا في الدنيا. و قالت عائشة رضي الله عنها ” إنكم لتغفلـــون عن أفضل العبـادات التواضــع” و قال يوسف بن إسباط : يجزىء قليل الورع من كثير العمل، و يجزء قليل التواضع من كثير الإجتهـاد، و قال الفضيل: و قد سئل عن التواضع مـا هـو فقـال: أن تخضـع للحـق و تنقاد له، و لو سمعته مـن صبي قبلته و لو سمعته من أجهل الناس قبلته. و قال بن المبارك: رأس التواضع أن تضع نفسك عند من دونك في نعمة الدنيا حتى تعلمه أنه ليس لك بدنياك عليه فضل. و أن ترفع نفسك عمن هو فوقك في الدنيـا حتى تعلمه أنه ليس له بدنيـاه عليك فضل. و قـال قتـادة: مـن أعطى مـالا و جمالا أو ثيابا أو علما ثم لم يتواضع فيه كان عليه وبالا يوم القيامة. و قيل: أوحى الله تعالى إلى عيسى عليه السلام إذا أنعمت عليك بنعمة فاستقبلتها بالإستكانة أتممها عليك. و قال كعب: ما

أنعم الله على عبد من نعمة في الدنيا فشكرها لله وتواضع بها لله إلا أعطاه الله نفعها في الدنيـــــا و رفع بها درجة في الآخــرة؛ و ما أنعم الله على عبد من نعمة في الدنيا و لم يشكرها ولم يتواضع بها لله إلا منعه الله نفعها في الدنيــــا، و فتح له طبقا من النار يعذبه إن شاء الله أو يتجاوز عنه و قيل لعبد الملك بن مروان: أي الرجال أفضل؟ قال: من تواضع عن قدرة و زهد عن رغبة و ترك النصرة عن قوة.

و دخل بن السماك على هارون فقال يا أمير المومنين إن تواضعك في شرفك أشرف من شرفك، فقال: ما أحسن ما قلت فقال يا أمير المومنين إن امرءا أتاه الله جمالا في خلقته و موضعا في حسبه و بسطا في ذات يده فعف في جماله وواسى من ماله وتواضع في حسبه كتب في ديوان الله من خالص أولياء الله، فدعا هارون بدواة و قرطاس و كتبه بيده و كأن سليمان بن داوود عليهما السلام إذا أصبح تصفح وجوه الأغنياء و الأشراف حتى يجيء إلى المساكين فيقعد معهم ويقول: مسكين مع مساكين. و قال بعضهم: كم تكره أن يراك الأغنياء في الثياب الدون، فكذلك فاكره أن يراك الفقراء في الثياب المرتفعة. و روى أنه خرج يونس و أيوب و الحسن يتذاكرون التواضع فقال لهم الحسن: أتدرون ما التواضع؟ التواضع أن تخرج من منزلك و لا تلقى مسلما إلا رأيت له عليك فضلا. و قال مجاهد: إن الله تعالى لما أغرق قوم نوح عليه السلام شمخت الجبال و تطاولت و تواضع الجودي فرفعه الله فوق الجبال و جعل قرار السفينة عليه و قال أبو سليمان: إن الله عز و جل أطلع على قلوب الآدميين فلم يجد قلبا أشد تواضعا من قلب موسى عليه السلام فخصه من بينهم بالكلام . و قال يونس بن عبيد: قد انصرف من عرفات لم أشك في الرحمة و لولا أني كنت معهم إني أخشى أنهم حرموا بسببي و يقال أرفع ما يكون المومن عند الله أوضع ما يكـون عند نفسه و أوضع ما يكون عند الله أرفع ما يكون عند نفسه، و قال زياد النمري الزاهد بغير تواضع كالشجرة التى لا تثمر، و قال الفضيل: من أحب الرئاسة لم يفلح أبدا و قال موسى بن القاسم كانت عندنا زلزلة و ريح حمراء فذهبت إلى محمد بن مقاتل فقلت يا أبا عبد الله أنت إمامنا فادع الله عز و جل لنا فبكى ثم قال ليتني لم أكن بسبب هلاككم، قال : فرأيت النبي صلى الله عليه و سلم في النوم فقال : إن الله عز و جل رفع عنكم بدعاء بن مقاتل، و جاء رجل إلى الشبلي فقال له: ما أنت و كان هذا دأبه و عادته، فقال: أنا النقطة التي تحت الباء. فقال له الشبلي : أباد الله شاهدك أن تجعل لنفسك موضعا؛ و قال الشبلي في بعض كلامه : ذلي عطل ذل اليهود، و يقال: من يرى لنفسه قيمة فليس له من التواضع نصيب. و عن أبي فتح بن شخرق، قال : رأيت علي بن أبي طالب رضي الله عنه في المنام فقلت يا أبا الحسن عظني فقال : ما أحسن التواضع بالأغنياء في مجالس الفقراء رغبة منهم في ثواب الله و أحسن من ذلك تيه الفقراء على الأغنياء ثقة منهم بالله عز و جل . و قال سليمان : لا يتواضع العبد حتى يعرف نفسه . و قال أبو يزيد: ما دام العبد يظن أن في الخلق من شر منه، فقيل له : فمتى يكون العبد متواضعا قال : إذا لم ير لنفسه مقاما و لا حالا، و تواضع كل إنسان على قدر معرفته بربه عز و جل، و معرفته بنفسه . و قال أبو سليمان : لو اجتمع الخلق على أن يضعوني كما تضاعى عند نفسي ما قدروا عليه . و قال عروة بن الورد : التواضع أحد مصاييد الشرف و كل نعمة محسود عليها صاحبها إلا التواضع، و قال يحيى بن خالد البرمكي:الكريم إذا تنسك تواضــــــــــع و السفيه إذا تنسك تعاظم و قال يحيى بن معاذ : التكبر على ذوي التكبر بماله تواضع و يقال لا التواضع في الخلق كلهم حسن و في الأغنياء أحسن و التكبر في الخلق كلهم قبيح و في الفقراء أقبح، و يقال لا عز إلا لمن تذلل لله عز و جل و لا رفعة إلا لمن تواضع لله عز و جل و لا أمن إلا لمن خاف الله عز و جـــل و لا ربح إلا لمن ابتاع نفسه من الله عز و جل . و قال أبو علي الجرجاني : النفس محجــوبة بالكبـــــــــر و الحرص و الحسد، فمن أراد الله تعالــى هلاكه منـــع منه التــواضع و النصيحة و القناعة، و إذا أراد تعالى به خيرا ألطف به في ذلك، فإذا هاجت في نفسه نار الكبر أدركها التواضع مع نصرة الله تعالى و إذا هاجت نار الحسد في نفسه أدركته النصيحة مع توفيق الله عز و جل و إذا هاجت في نفسه نار الحرص أدركتها القناعة مع عون الله عز و جل و عن الجنيد رحمه الله تعالى إنه كان يقول يوم الجمعة في مجلسه لو أن الله روى عن النبي صلى الله عليه و سلم :” أنه قال يكون في آخر الزمان زعيم القوم أرذلهم ما تكلمت عليكم “. و قال الجنيد أيضا : التواضع عند أهل التوحيد تكبر و لعل مراده أن التواضع يتبث نفسه ثم يضعها و الموحد لا يتبت نفسه و لا يراها شيئا حتى يضعها أو يرفعها . و عن عمر بن شيبة قال كنت بمكة بين الصفا و المروة فرأيت رجلا راكبا بغلة وبين يديه غلمان و إذا هم يعنفون الناس . قال : ثم عدت بعد حين فدخلت بغداد فكنت على الجسر فإذا أنا برجل حاف حاسر طويل

الشعر قال : فجعلت أنظــر إليه و أتأمله فقال لي : ما لك تنظر إلي ؟ فقلت له شبهتك برجل رأيته بمكة ، ووصفت له الصفة , فقال له : أنا ذلك الرجل فقلت مافعل الله بك ؟ فقال إني ترفعت في موضع يتواضع فيه الناس فوضعني الله حيث يرتفع الناس، و قال المغيرة كنا نهاب إبراهيم النخعي هيبة الأمير، و كان يقول : إن زمانا صرت فيه فقيه الكوفة لزمان سوء، و كان عطاء السلمي إذا سمع صوت الرعد قام و قعد و أخده بطنه كأنه امرأة ماخض و قال هذا من أجلي يصيبكم لو مات عطاء لاستراح الناس . و كان بشر الحافي يقول : سلموا على أبناء الدنيا بترك السلام عليهم، ودعا رجل لعبد الله بن المبارك. فقال : أعطاك الله ما ترجوه فقال: إن الرجل يكون بعد المعرفة فأين المعرفة. و تفاخرت قريش عند سلمان الفارسي يوما فقال سلمان لكنني خلقت من نطفة قذرة ثم أعود جيفة نثنة ثم آتي الميزان فإن ثقل فأنا كريم و إن خف فأنا لئيم، وقال أبو بكر الصديق (ض) : وجدنا الكرم في التقـــــــــوى و الغنى في اليقين و الشرف في التواضع نسأل الله الكريم حسن التوفيق
بقلم الفقير أحمد الهبري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى