دروس كتابية

استجلاب الأنوار بصلاة على النبي المختار

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذى أظهر الأكوان من نور خير البريه ، وجعله أول خلقه وفضله على كل مخلوق سواه . وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له تقدست وتعالت ذاته الصمدية ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله وحبيبه ومصطفاه . وأصلي وأسلم على مركز دائرة التجليات الإلهية ، وعلى آله وصحبه الذين اقتبسوا من نوره وهداه
لما كانت محبة المصطفى صلى الله عليه وسلم هي الوسيلة الكبرى لنوال النفحات الإلهية ، إذ هو الحبيب الأعظم الذى لا يرد الله من تشفع به عنده ودعاه. وعلامة محبته كثرة ذكره والصلاة عليه والاقتداء بشمائله الزكية، وذلك مصداقا لقوله تعالى: (قل إن كنتم تحبون الله فاتبعونى يحببكم الله) فبالاقتداء والاتباع يتشكل قوس المُحب الذي يقابله قوس المحبوب حتى تكتمل دائرة المحبة، لذلك تعددت السبل الموصلة إلى محبته صلى الله عليه وسلم حتى يتبع العبد أيها شاء وناسب شاكلته، و من أجلِّ مظاهر محبته الاحتفال بمولده الشريف إذ هي ذكرى تتلازم فيها الصورة مع المعنى و الروح مع الجسد و الحقيقة مع البشرية وفي الأثر فيما يروى عن سلمان رضي الله تعالى عنه قال:   هبط جبريل على النبي صلى الله عليه وسلم فقال : إن ربك يقول لك:   إن كنت اتخذت إبراهيم خليلا فقد اتخذتك حبيبا، وما خلقت خلقا أكرم علي منك، ولقد خلقت الدنيا وأهلها لأعرفهم كرامتك ومنزلتك عندي ،ولولاك ما خلقت الدنيا
ولقد ذكر العلماء أن الاحتفال بالمولد النبوي الشريف يحتوي على ثلاثة فوائد
يحتوي على ذكر اسمه الشريف ونسبه و سيرته العطرة التي تبعث في القلوب المحبة والتعلق بشخص رسول الله صلى الله عليه وسلم
أنه يحتوي على ذكر سنته و أخلاقه الشريفة حتى يتسنى للعبد اقتفاء أثارها و السير خلف خطى النبي صلى الله عليه وسلم بحقيقة المتابعة
أن المولد سبب لتذكير الغافلين بالصلاة والسلام على سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم كي تشملهم بركتها
ولا بأس في هذه المناسبة الجليلة أن نذكر بعض أسرارها و أنوارها، حتى يتوجه المؤمن نحو رياضها الخيرة، ويقتبس جذوة من نور هداها النيرة، كيف لا وقد قال جل في علاه في محكم تنزيله : ( إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما ) الأحزاب الآية 56…فجاء الإخبار من غيب الذات عن الاسم الجامع ( الله ) الذي هو أشمل اسم و أقربه للدلالة على المسمى في كونه عزوجل  يصلي بمجموع أسمائه وصفاته وملائكته على نبيه الأعظم سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وفي ذلك يقول شيخنا سيدي محمد فوزي الكركري قدس الله سره : حقيقة الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم هي بروز قوس الغيب الذاتي بجميع الشؤون الأسمائية و الصفاتية في حضرة النور على مجلى قوس العبد الشهادي الناسوتي حتى ينطوي ظل الإمكان في شمس الوجود بكنه حقيقة السلام من خزائن ( سلام قولا من رب رحيم ) انتهى
ولما كانت الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم هي وصل تام، جاء الأمر الرباني ليوجب على خاصة الخلق من المؤمنين للدخول وفق شرف هذه الصلاة ،  ليكون كل من تعلق بها منهم قد ظفر على إكسير الوصل ، إذ بها تزال الظلمات من القلوب ، لذا ورد عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : من صلى عليَّ صلاة صلى الله عليه بها عشرا  رواه مسلم…وفي الأثر : ” من صلى علي مرة صلى الله عليه بها عشراً ومن صلى علي عشراً صلى الله عليه بها مائة ومن صلى علي مائة صلى الله عليه ألفاً ومن صلى علي ألفاً لم يعذبه الله بالنار ” أورده الامام السخاوي في القول البديع…فمن صلى عليه من أهل الحس تحققت نجاته من نار جهنم، ومن صلى عليه من أهل المعنى تحققت نجاته من نار البعد والطرد والحجاب
وعندما كانت الصلاة على حضرته الشريفة بهذه الصفة الوصلية تبعتها مباشرة أية اللعن الذي يخالف معنى الصلاة في القرآن الكريم حيث قال تعالى : ( إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة وأعد لهم عذابا مهينا ) الاحزاب الآية 57…وذلك لسر التقابل بين الوصل و الفصل بكنه الضدية وحتى نعلم أنه على قدر التعلق بالجناب المحمدي يكون العبد موصولا وعلى قدر بعده عنه على قدر فصله
ولذلك كان الذي يصلي عليه صلى الله عليه وسلم يكافئه تعالى بصلاته عليه كل على حسب استعداده وانائه فمنهم من يصلّي عليه تعالى ليخرجه من ظلمات الشرك إلى نور الإيمان، ومنهم من يصلّي عليه، ليخرجه من نور الإيمان إلى سرّ الإيقان، ومنهم من يصلّي عليه ليخرجه من سرّ الإيقان إلى وقوع العيان، ومنهم من يصلّي عليه ليخرجه من وقوع العيان إلى فقد الأعيان، وهنا يستولي المصلّي على المصلّى عليه بذوق معنى قوله تعالى في الحديث القدسي : ( كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها وقدمه التي يمشي بها وإذا سألني لأعطينه وإذا استغفرني لأغفرن له وإذا استعاذني أعذته ) رواه البخاري
ولقد جاء تفسير معنى صلاة الحق تعالى على العباد في نفس السورة حيث قال تعالى : (هو الذي يصلي عليكم وملائكته ليخرجكم من الظلمات إلى النور ) الاحزاب الاية 43…فظهر أن ثمرة الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم هي شهود الأنوار المحمدية والتي هي تلك الحقيقة النورانية لباطن المصطفى صلى الله عليه وسلم ، وإن شئت أن تقول هو تلك القبضة المأخوذة من ذلك النور المنسوب إلى الحق والمشار إليه في قوله صلى الله عليه وسلم:  ( أول ما خلق الله نور نبيك يا جابر) رواه البيهقي ببعض المخالفة… ولقد ورد في تنوير المقباس من تفسير ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى : (قد جاءكم من الله نور) رسول يعني : محمّداً صلى الله عليه وسلم
وذكر مثل ذلك الطبري والسيوطي…وقال العلامة الصاوي في حاشيته على الجلالين : هو نور النبي صلى الله عليه وسلم، وسُمّي نوراً لأنه ينوِّر البصائر ويهديها للرشاد، ولأنه أصل كل نور حسِي ومعنوي
ولقد اختلف المتأولون في عود الضمير في ” نوره ” على من يعود في أية النور في سورة النور ; فقال كعب الأحبار وابن جبير : هو عائد على محمد صلى الله عليه وسلم ; أي مثل نور محمد صلى الله عليه وسلم، قال ابن الأنباري : ” الله نور السموات والأرض ” وقف حسن ، ثم تبتدئ ” مثل نوره كمشكاة فيها مصباح ” على معنى نور محمد صلى الله عليه وسلم
وهذه الثمرة النورية للصلاة على الحبيب صلى الله عليه وسلم تؤخذ من شيخ سنده صحيح وذوقه صريح حتى يصير العبد في صلاته نورا لا ظلمة فيه وإلى مثل هذا يشير الحديث الذي رواه الترمذي في سننه عن الطفيل بن أبي كعب عن أبيه قال: ” كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إذا ذهب ثلثا الليل قام فقال: يا أيها الناس اذكروا اللّه اذكروا اللّه جاءت الراجفة تتبعها الرادفة جاء الموت بما فيه، جاء الموت بما فيه. قال أبي: فقلت يا رسول اللّه اني أكثر الصلاة عليك فكم أجعل لك من صلاتي؟ قال: ما شئت. قال الربع؟ قال ما شئت، فإن زدت فهو خير لك. قلت النصف؟ قال ما شئت، وان زدت فهو خير. قلت فالثلثين؟ قال ما شئت فان زدت فهو خير، قلت أجعل لك صلاتي كلها؟ قال: إذا تكفى همك ويغفر لك ذنبك”. حديث حسن
فمن وصل النور فيه بمقدار الثلث فله من الصلاة المحمدية الثلث ومن اكتمل فيه هذا النور كان مصليا حقيقة الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان عينا من العيون المحمدية كما تجسد ذلك في صحابته رضي الله عنهم في الحس و المعنى فكانت أسماء و ألقاب الأكابر منهم تبتدأ بحرف العين إشارة لذلك المعنى …مثلما اكتملت في الخلفاء الأربعة فظهرت في عين عتيق ( لقب سيدنا أبي بكر )، وعين عمر، وعين عثمان، وعين علي
ولذلك وجدوا مكانتهم في الذات المحمدية وفنوا في الأنوار المصطفوية حتى كانوا لا يشعرون إلا بها ولا يتحركون إلا بها يقول سيدنا أبو بكر رضي الله عنه : كنا في الهجرة وأنا عطشان جدا ، فجئت بمذقة لبن فناولتها للرسول صلى الله عليه وسلم، وقلت له : اشرب يا رسول الله، يقول أبو بكر: فشرب النبي صلى الله عليه وسلم حتى ارتويت
ولأجل ذلك هان على سيدنا علي رضي الله عنه أن ينام على فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم في الهجرة و لم يُفكر بموته وإنما فكَّر بحياة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم و انجاح دعوته ورسالته ، فأجابه قائلاً : أتسلم أنت يا رسول الله إذا أنا بتّ على فراشك؟ قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : أجل ، فقال علي : مرحباً بالموت !
لذلك ينبغي أن ينال العبد في ذكرى مولد الهادي صلى الله عليه وسلم نصيبا من نور المصطفى صلى الله عليه وسلم حتى يشهد مولده الشريف في قلبه فيكون مُرَحَباً بإماتة الهوى و الأغيار مقبلا على العزيز الغفار مشاهدا لأنوار النبي المختار.

بقلم الفقير الأستاذ إدريس الرباطي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق