مقام النبوة

مقام النبوة : سر الخلود

بسم الله الرحمن الرحيم

مجالس الشيخ المربي سيدي محمد فوزي الكركري رضي الله عنه

مجلس الجمعة : 02 ربيع الثاني 1436هـ الموافق ل 23 يناير 2015م

مقام النبوة : سر الخلود

المجلس السابع

 

اعلم أيدك الحق بروح قدسه أن العلم الإلهي شامل لكل شيء ولقد تنزل علم الحق في حضرة النبوة حيث مقام العقل الأول الذي هو مجلى ظهور العلم الإلهي…وهذا المقام تعددت تسمياته لعلو شرفه فهناك من سماه باللوح العظيم ، أو نفس النبوة أو الروح الأعظم الذي هو لب الروح الأصلي…لذلك من باب التزكية كلما حدثتك نفسك بانك ذو علم وفهم بحيث دخلك الوهم بسبب احاطة عقلك على جسدية حسك فظننت ما ظننت فيك…ولكن عليك ان تتحقق بحقيقتك التي هي الجهل حتى يمدك الحق بشيئ من علمه اما خزائن علم الله تعالى فلا قدرة لأحد على حدها

فالعقل النبوي هو الواسطة التي تتوسط هذا المبدأ الحق فلابد من واسطة كما في السيرة النبوية حيث كان الحبيب صلى الله عليه وسلم يأخذ عن واسطة جبرائلية….ومن هذا العلم الإلهي الظاهر في النبي صلى الله عليه وسلم فانه يكتسب القدرة على الخلق كما يظهر ذلك في حكم المعجزات التي تظهر على أيدي الأنبياء

أما في حكم الولاية فتظهر بصفة الكرامة وهي تؤخذ كمسلمات في كنه قراءة مراتب الإسم وذلك في القراءات الشاذة له بحيث ليس لها قاعدة

واعلم أن الوظيفة الجوهرية للنبوة ليست مقتصرة فقط على الهداية ووضع دستور رباني يلتزم به المؤمن حتى يكون من السعداء…ولكن النبوة أمر تسلسلي فعندما تسمع أن النبي صلى الله عليه وسلم يقول  ” كُنْتُ أوَّلَ الأنْبِياءِ فِي الخَلْقِ، وآخِرَهُمْ فِي البَعْثِ ” رواه الطبري و إسناده صحيح…فعليك ان تدرك أن نبوته عليه السلام هي الأصل و إنما تنزلت في صور الأنبياء وحضراتهم وهذه التنزلات هي في خدمة حضرة واحدة وهي حضرة النبوة المصطفوية بكنه الجمع ولكن تختلف بكنه الفرق و التجليات من نبي إلى أخر وهي كلها حقيقة محمدية…و المغزى من هذه التزلات حتى تظهر الزمردة الفريدة وخاتم الدائرة الذي به افتتح الله النبوة وبه ختمها صلى الله عليه وسلم فعن ابن عباس، رضي الله عنه، في حديث الشفاعة يوم القيامة، وهو حديث طويل، وفيه أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ذكر طلب الناس الشفاعة من الأنبياء واحداً تلو الآخر ليشفعوا إلى الله –عز وجل – في الحساب بين الناس لطول وقوفهم دون حساب  حتى يصل الناس إلى عيسى –عليه السلام – فيقول لهم: أرأيتم لو كان متاع في وعاء قد ختم عليه ، أكان يقدر على ما في الوعاء حتى يفض الخاتم؟ فيقولون: لا. فيقول: إن محمداً، صلى الله عليه وسلم، خاتم النبيين رواه الإمام احمد

فإذا كنت بحكم التبعية بمتابعة النبي صلى الله عليه وسلم فحياته كلها سيرة لك و لغيرك ولكنها بحكم العلم هي تسلسل لحضرات الأنبياء…وهذا التسلسل او الظهورات المحمدية في الأنبياء يفيدنا لكي نعرف الأوجه كاملة فننظر إلى الدائرة أو الخاتم من جميع الزوايا بعكس النظرة من وجه واحد فإنها تعطينا علما ناقضا…فإذا أردت أن تكون صاحب علم فكن آدميا و إبراهميا وموسويا وعيساويا وهكذا…فبكل ذلك تحصل على علم بالحقيقة المحمدية على قدر إنائك وليس على قدرها فتعرف غرضها في إظهار مراتب الوجود و إمدادات الكون حتى تتم لك السعادة بالفيض العلمي الأعلى لأن الروح الأعظم كاملة ولا قدرة لك بمعرفتها إلا بالمرور على حضراتها حضرة حضرة فتكتمل لك قراءاتها

وهنا تدرك اهمية الأصول السلوكية التي وضعتها لك في سيرك أيها المريد..فانت لا تقدر على مراتب الإسم كلها بالجمع مرة واحدة و إنما عليك ان تنزل فيها منزلا منزلا فتعرف السر من هذا الوجه ومن هذا الوجه حتى تعرف ما كتب لك من الحضرات و أسراراها…لذلك عندما تقرأ القرآن الكريم بسر واحد أو مرتبة واحدة تشعر بالعجز في فهمه كله بسر واحد و ذلك لان القران شامل جامع انطوت فيه كل المراتب و الأسرار…فكلما تقدمت في السلوك وترقيت في الأسرار كلما إمتكلت مفتاحا من مفاتيح فهم القرآن

واعلم أن العلم علم ربي إنما لك ذلك السريان لنطقه فقط بسر ( وقل ربي زدني علما ) طه 114…فأنت عليك بالقول فقط والتعرض لنفحات علم الله تعالى…فانت لك مرتبة في العالم العلوي ولكنك افتقدتها كنت علويا في حضرة ” بلى ” …والأن عليك في الدنيا أن تربي نفسك تربية شاملة حتى تقدر على ذوق بلى ونطقها…ومن ناحية العلم فالعلم الأصلي علم الله الذي يحكي عن السيرة الذاتية أما العلوم الأخرى فهي فروع عنها

وعلم الله هو علم التوحيد بالبحث عن المبدأ الأول فكأن علم الله تعالى إظهار لأيام الله فما حجبك عن حقيقة توحيده إلا تقيدك بالزمان والمكان حتى جعلت تسعى لفهم كلام الله تعالى بك لا به كما أرداه هو تعالى لذلك جعل لك كاف التشبيه حتى تجلس على كثيب ساحل كأنك لتخوض بحر تراه فالشريعة باب الحقيقة

و الشريعة أتت بالسيرة التي يحكيها المبدأ الأول و يأخذها العقل بالتسليم دون دليل وهذا هو بداية الدخول على الحضرة العلية أما العقل الضيق فلا يتسع لإدراك الغيبيات فلا يستطيع الوصول إلى شيئ لذلك قد يكون عرضة لنفخ إبليس حتى يوقعه في شراكه فيقع في التشكيك…فابليس يدخل غالبا من هذا الباب لعلمه بتقييد عقلك وضيقه…ولكن إذا كنت متوكلا على الله تعالى قد ألقيت نفسك على اعتاب فضله متبريا من حولك وقوتك بل ومنك خاضعا تحت سطوة ربوبيته فحتى إذا راوضت عقلك أنذاك سترواضه بالشرع فتنجوا من مصائد ابليس بربك لا بك

لذلك ذكر الله تعالى في السلوك يكون من باب الشرع حتى تكون سالما…لذا فالذي يذكر برموز لا يفهمها قد توصله إلى تغيير العادة مثلا لكن بدون الدخول من شرع الله تعالى يعتبر ذلك باطلا بل قد يُخاف على صاحبه…فأسرار الله تعالى لا تؤخذ إلا بالدخول من شرع الله تعالى

و النور هو المبدأ الأول وهو الروح الاعظم فهو الذي له التأثير في العالم فالحق سبحانه وتعالى { إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ } فالشيئ جعله الحق على نوامس ثابتة وقواعد منظمة لذلك تسنى للعلماء إكتشاف أسرار الطبيعة…ومثل الذي يصل لتغير العادة من غير باب الشرع

كمثل المسيح الدجال الذي سيكون له علم بهذه النوامس فيغير الطبيعة و تظهر على يديه خوارق ولكن عنوان الخذلان و المهانة مكتوب على جبينه …فسيره شيطاني لانه لم يكتسب علمه من باب الشرع وزاد على ذلك توظيفه له لهدم الشرع

و النبوة على هذا السير هي علم و إيجاد فلما كانت تقتضي العلم بالنوامس استطاعت أن تكتسب علما بأيام الله تعالى لذلك كانت تغير العادة بكنه المعجزات بإذن أمر الربوبية مثل سيدنا عيسى عليه السلام الذي كان يحيي الموتى بإذن الله ويبرء الأكمه و الأبرص وغير ذلك من الخوارق التي أظهروها للخلق حتى يؤمنوا بهم فالنبي عالم بالموجودات و صانعها بقدر ما له من علم

والتمكن من هذا العلم يخول لصاحبه العلم بأسباب وحكم اتخاذ الشرع لطرق معينة في العبادة مثلا سبب غسل اليدين ثلاثا قبل وضعهما في الإناء فيتغير الفهم والذوق لكل وظائف الشريعة الموصلة الى الله تعالى

واعلم أن مكان المصطفى صلى الله عليه وسلم بحكم التقييد الظاهري هو في المدينة المنورة بجماله فهو مركزية شعاع هذا العالم الإيجادي…ولكن في حكم الباطن فإن الأشياء كلها ما ظهر لنا منها وما غاب هي كلها مخلوقة من نوره صلى الله عليه وسلم وهو ما ينكشف للعبد في مقام الولاية لا النبوة…إذ أن الولاية لله تعالى و الولي هو اسم مشترك بين الحق والخلق ( الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور) البقرة الاية 257 فسمى نفسه وليا وسمى عبده وليا فقال : من عاد لي وليا فقد أذنته بالحرب..” رواه البخاري…لذلك كانت النبوة منقطعة إذ قال صلى الله عليه وسلم : ( لا نبي بعدي ) رواه البخاري ومسلم…ثم هي أي النبوة اسم أطلق على المخلوق ولم يطلق على الخالق

أما الولاية فغير منقطعة لأنها اسم مشترك بين الحق والخلق…والحق باق و الخلق فان فهي باقية ببقاء الحق لا بفناء الخلق فهي تتجلى في بعض عباد الله تعالى في كل عصر…و النبي له ظاهر وباطن فظاهره نبوة وباطنه ولاية لذلك الألف برزخيته ولاية

و الحقائق في مرتبة الولاية لها مقام التكوين و الإيجاد ولقد حكى لنا الحق عزوجل في كتابه العزيز كيف إجتمعت الولاية المنفردة مع النبوة بحكم الفرق في قصة الكليم و الخضر عليهما السلام و إلا فإن سيدنا موسى عليه السلام ولي و نبي ورسول إجتمعت فيه الثلاثة…ولكن الحق عز وجل اراد أن يمثل لنا بعض الحقائق التي تعطيها الولاية دون ما سواها وذلك من حيث إظهار إطلاقها على تقييد النبوة و إلا لو كان سيدنا موسى عليه السلام هو الذي قام بخرق السفينة وقتل الغلام وبنى الجدار لقيل إنه فعل ذلك بحكم نبوته ولما ظهرت حقيقة الولاية لأن سيدنا الخضر كان وليا ولم يكن نبيا ولا رسولا بل كان في ذلك تابعا لسيدنا موسى عليه السلام ولا يُفهم من هذا تفضيل الخضر على موسى عليهما السلام فهذا باطل و إنما حصل للخضر ما حصل ببركة اتباعه لموسى عليه السلام فكانه صورة موسوية ظهرت بحكم الولاية ليظهر المثال ويسهل الفهم لا غير…والله اعلم

والولاية لها الحق في الإتساع إلى حد الفناء في الذات وذلك عندما تبدي لك صفات الحق تتلاشى لك صفات العدمية فيصير سمعك سمع الحق و بصرك بصر الحق فهنالك تتعلم توحيد الحق بالحق لا بنفسك

واعلم أن للنبوة بالرؤية الباطنية مرتبتين هما معا علويتين احداهما معرفية لها علم الحقائق و الأخرى تصريفية ايجادية وهي ما نسميها بالخلافة…فالخلافة تقتضي ذلك ولابد وكلى المرتبتين تجمعهما الحقيقة المحمدية فكأن المصطفى صلى الله عليه وسلم باق حي ومن هنا جاء لغز ” من رآني فقد رآني حقا “…فكان كل واحد من امته تشرف برؤيته يراه على حسب قدره فعن أبي هريرة قال : قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – : ( من رآني في المنام فقد رآني ، فإني أرى في كل صورة ) ــ وفي سنده صالح مولى التوأمة وهو ضعيف لاختلاطه ، وهو من رواية من سمع منه بعد الاختلاط ـــ وتبقى المرآة صافية كنزية غير معروفة الكنه وذلك لأنه عبارة عن مجلى اسم الله الأعظم والإنسان الكامل…فهو يتمظهر في 63 إشارة أمهات من إشارات الإسم

واعلم أنه لا يوجد فصل بين التوحيد والولاية و النبوة لذلك نسميه بالألف المقدر وليس الأصلي بسبب أن كل واحد من السائرين كيف تقدر له هذا الألف…وهكذا نكون قد وصلنا إلى ختام المجالس في حضرة النبوة التي كانت مظهرا للخلود و العصمة في كنه مقام الألف المقدر بحكم القراءة الهائية مع العلم أن كل حضرة تكلمنا عنها و انزلنا رقائقها في قلوب المريدين بقي فيها الكثير لكي يعرف لأن التعرف على الحضرات يختلف من قراءة لأخرى فحضرة النبوة في الالف المقدر بالقراءة الهائية غير حضرة النبوة في الألف المقدر بقراءة لام القبض مثلا وهكذا…ولنا عودة معها بإذن الله تعالى في القراءات الأخرى أما في هذه القراءة الهاية في حكم الألف المقدر فسندخل إن شاء الله تعالى على حضرة الرسالة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

إغلاق