مقام النبوة

مقام النبوة : حضرة الخلود

بسم الله الرحمن الرحيم 

 مجالس الشيخ المربي المحقق الواصل الموصل سيدي محمد فوزي الكركري رضي الله عنه

مجلس الجمعة :  8 صفر 1436هـ الموافق ل 12 دجنبر 2014م

مقام النبوة :  حضرة الخلود 

المجلس الرابع



اعلم نَوَّرَ الله قلبك بنور الحبيب سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم أن الأنبياء وورثتهم الذين ورثوا عنهم أحوالهم من الأولياء الذين هم من حيث الصورة الجسمانية والرسوم الناسوتية قائمون على نهج الحقيقة المحمدية، فكل الأنبياء هم صورها بما فيهم نبينا صلى الله عليه وسلم ومن بعده عليه الصلاة والسلام قد صاروا صورا للأولياء من أمته ثم منهم لكل العوالم نصيبا منها
والعارفون يعترفون بأن علومهم ومبالغ كمالاتهم إنما تتم من خلال النور الروحي القدسي لهذه الحقيقة و إنما يقع التفاضل بينهم على قدر تفاوت الانوار فيما بينهم…وبسبب تلك الحقيقة المحمدية كان الأنبياء هم الواسطة بين الحق والخلق والمرجع في سلسلة الارتقاء الصعودي، فالأنبياء هم الذين اخذوا المرتبة العليا في التنزل الكمالي في جميع شؤونهم من حيث مأكلهم و مشربهم وملبسهم و في صبرهم على إذاية الخلق لهم…حتى كان سيد الخلق صلى الله عليه وسلم يشتد به الجوع حتى يضع الحجر على بطنه الشريف وحاربه عمه وعشيرته  وطرد من مكة وهي أحب البقاع لقلبه و أبعد عن بيته وأهله و شج رأسه الشريف صلوات ربي وسلامه عليه و كسرت رباعيته و وضع سلا الجزور على ظهره الطاهر وهو ساجد لربه يصلي بأبي هو وأمي صلوات ربي وسلامه عليه وفي الحديث عن سعد بن أبي وقاص – رضي الله عنه – قال: سئل النبي  صلى الله عليه وسلم : أيُّ الناس أشد بلاءً؟ قال: ( الأنبياء، ثم الأمْثَلُ فالأمثل، يُبتلَى الرجل على حسب دينه، فإن كان في دينه صلابة زِيدَ صلابةً، وإن كان في دينه رقَّةٌ خُفِّف عنه، ولا يزال البلاء بالعبد حتى يمشي على الأرض ما له خطيئة ) اخرجه الدارمي والترمذي وهو حديث حسن صحيح…فكان صلى الله عليه وسلم جوهرة التنزلات الكمالية ولورثته من اولياء امته نصيب من ذلك كل على قدر حظهم من هذا الإرث فلا تظن أن تصل للولاية دون بلاء ولا عناء…فإذا كانت الطريق إلى الجنان حُفَّت بالمكاره فإن الطريق إلى الله حفت بالبلاء حتى تصبح سبيكة نفسك ذهبا خالصا لا تشوبها شائبة شهود الغيرية

ولما كان السائر إلى الله تعالى كلما ارتقى كلما قوية نورانيته وانطبعت في مرآة قلبه حقيقة الإيمان التي زيتها ولبها ومعدن سرها سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم كان عليه الصلاة والسلام أولى بمن تحقق بحقيقة الإيمان من نفسه وماله وأهله قال تعالى: (النبيُّ أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم) الأحزاب الآية 6
وفي الحديث عن أبي هريرة، رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ” ما من مؤمن إلا وأنا أولى الناس به في الدنيا والآخرة. اقرؤوا إن شئتم: (النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم) …تفرد به البخاري
فلو لم يكن صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم أبو الأرواح وسر وجود الأشباح لما كان أولى بالمؤمن من نفسه وقد روي عن أبي بن كعب ، وابن عباس أنهما قرآ : ” النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم وهو أب لهم ” ، وروي نحو هذا عن معاوية ، ومجاهد ، وعكرمة ، والحسن
وفي الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” إنما أنا لكم بمنزلة الوالد أعلمكم ، فإذا أتى أحدكم الغائط فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها ، ولا يستطب بيمينه ” أخرجه النسائي و ابن ماجة
لذلك كانت هذه الآية في سورة الأحزاب تشير إلى هذه الأبوة الروحية الخاصة بالمؤمنين لذلك جاء ترتيب الآية في السورة السادس إشارة إلى واو الإيمان، إذ الواو عده في الحساب الأبجدي 6 فكان السالك بعد التلاشي في الهاء التي ترتيبها بالعد الأبجدي 5 على نعت الفناء في الفعل بحكم خمس أركان في مرتبة الإسلام ( الشهادة، الصلاة، الصوم، الزكاة، الحج ) ثم الدخول بعد تحقيق الأصل الأول على حقيقة الإيمان وذوق أسراره بست مراتب إيمانية ( الإيمان بالله ، وملائكته ، وكتبه ، ورسله ، و اليوم الأخر ، والقدر خيره وشره ) فعندئذ يُكشف لك عن سر ( هو ) بحكم القراءة الهائية لاسم الجلالة ( الله ) فعلى قدر ترقيك في الإيمان على قدر ذوقك وشهودك لهذه الروح النبوية…فالمؤمنون هم العارفون فالنبي أولى بهم وهم أحق به صلى الله عليه وسلم فالمؤمن هو الذي عرف نفسه . وإياك ان تقول المؤمن هو الذي عرف ربه فتكون عندئذ جاهلا…فعندما تعرف أنك مذنب وعاص ولا حول لك ولا قوة إلا بالله فانت عارف بالله تعالى ولكن ذوقا وليس قولا…فالمؤمنون هم الذين عرفوا أنفسهم وعرفوا الرفعة والنزول
والنبي صلى الله عليه وسلم أولى بالعارفين ولذلك كانت أزواجه أمهاتهم مراعاة لجانب هذه الحقيقة المتمثلة في النور المحمدي الذي أظهره الحق للبعض دون البعض لذلك زوجات النبي صلى الله عليه وسلم هن أمهاتنا لأنه هو أبونا الروحي وهي أبوة عليًّة أقدسية…فلو لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم بحقيقته الروحية النورانية هو سبب الموجودات لما كان أولى بك من نفسك وكل ما تملك
أما قوله تعالى: { ما كان محمد أبا أحد من رجالكم} الأحزاب الآية 40…فليس المراد منها  نفي الأبوة الروحية ولا نفي الأبوة الطبيعية الثابتة لأولاده الذين توفاهم الحق قبل بلوغ الحلم ولا لبناته عليهم رضوان الله وسلام الله عليهم أجمعين…و إنما جاءت الآية الكريمة لتتحدث عن شأن زواج النبي صلى الله عليه وسلم من زينب بعد أن طلقها زيد بن حارثة الذي كان قد تبناه النبي صلى الله عليه وسلم قبل تحريم التبني ، فأنزل الله تعالى هذه الآيات الكريمات ليزيل ما قد يقع في قلوب بعض الناس من إنكار زواج النبي صلى الله عليه وسلم من زوجة ابنه بالتبني سابقا ، فذكر عز وجل أن التبني باطل ، وأنه لا تنبني عليه أحكام أبوة النسب الحقيقي ، فقال عز وجل  :  (وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ ۖ فَلَمَّا قَضَىٰ زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا ۚ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا (37) مَّا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ ۖ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ ۚ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَّقْدُورًا (38) الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ ۗ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ حَسِيبًا (39) مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَٰكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ ۗ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (40) ) سورة الأحزاب…وبالإشارة فإن الآية تتحدث عن النفس بمراتبها الكمالية الاربعين لذلك جاء ترقيم الآية في السورة أربعين
فتصبح حقيقة هذه المرتبة هي أن الأخذ عن المصطفى صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم أفضل من الأخذ عن جبريل عليه السلام يعني ليس هناك أعلى من رسول الله صلى الله عليه وسلم في العليًّة فيصير جبريل عليه السلام هو وزيرا للنبوة فهذه النقطة في حكم الباء تقتضي خضوع ذل العبودية لعز الربوبية…ويمكنك أن تقول إن جبريل عليه السلام هو الروح الأعظم والمنبسط الأول الذي تقوم به كل الخلائق إذ النبوة لها خصوصية الانبساط والخلافة

والغالبية من الخلق عندما تتكلم عن النبوة تنسى الأصل التكويني لها فهي نبوة تكوينية وليست فقط نبوة مقتصرة على الهداية و الإرشاد وللنبوة في هذا المعنى مظاهر كثيرة أعظمها سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم من حيث صورته الجسدية وفي الحديث الشريف عند الطبري قال قتادة: وذُكر لنا أن نبيّ الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: ” كُنْتُ أوَّلَ الأنْبِياءِ فِي الخَلْقِ، وآخِرَهُمْ فِي البَعْثِ ” و إسناده صحيح
وعن أبي بن كعب، في قوله تعالى: (وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح) فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أنا أوّلهم، ثم نوح، ثم الأوّل فالأوّل» أخرجه ابن عاصم وإسناده حسن
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قال قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم: ” لمّا خلق الله تعالى آدم عليه السّلام خبّره ببنيه فجعل يرى الأنبياء عليهم السلام وفضائل بعضهم على بعض فرأى نورا ساطعا في أسفلهم فقال: يا ربّ من هذا ؟ قال: هذا ابنك أحمد هو الأوّل وهو الاخر وهو أوّل شافع ” أخرجه البيهقي و ابن عساكر وغيره

فهو صلى الله عليه وسلم أول الأنبياء وهو آخر الأنبياء فكأنه عليه الصلاة والسلام يقول لك أنا القبضة النورانية كما بينها في حديث جابر بل به أوجد الله الأنبياء والمرسلين…فبمجرد أن يأتيك في خاطرك أنك تحب أحدا أكثر من المصطفى صلى الله عليه وسلم فأنت مخطأ
وينبغي أن تعلم أنه في حكم الألف المقدر عندما نتكلم عن مقام النبوة لا نتكلم عن ذلك في حكم صور الأنبياء وإنما نتكلم عن ذلك في حكم النبوة التكوينية التي لم تتقيد في صورة…إذ أن باطن النبوة هي ولاية النبي والتي هي القبضة النورانية لذا كان مقام المعرفة يعطي التقدم للنبي فهو الإنسان الكامل…وذلك لان له النبوة التكوينية التي هي تلك السلطة التي لها النيابة عن الحق تعالى (وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة) البقرة الآية 30 والعقل الاول الذي هو من حيث العلم جامع لكل شيء. ولورثته من الصالحين نصيب من هذا الإرث النبوي من بعده…قال تعالى: (الله نور السماوات والأرض) النور الآية 35 يعني هذه الخلقة قائمة بسر اسمه القيوم بحكم القبضة النورانية التي اندرج فيها كل العلم وكل ما كان وما يكون لذلك كان النبي هو الواسطة في الظاهر والباطن على حد سواء بين الحق والخلق

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

إغلاق