مقام الرسالة

مقام الرسالة : مجلى الخلود

بسم الله الرحمن الرحيم
مجالس الشيخ المربي سيدي محمد فوزي الكركري رضي الله عنه
مجلس الجمعة : 09 ربيع الثاني 1436هـ الموافق ل 30 يناير 2015م
مقام الرسالة : مجلى الخلود
المجلس الأول

اعلم وفقك الله الى طريق الإخلاص ورفعك إلى أعلى مقامات الإختصاص  أننا سنشرع في الدخول على المقام السابع في القراءة الهائية وذلك بالتنبيه على بعض أسرار النصف العلوي من الألف المقدر الذي يختص بحضرة الرسالة…وهي كذلك تنصبغ بصبغة الخلود و تتدثر برداء العصمة إذ لايعتري صاحبها نكث و لا يجري عليه خطأ فعلمه من علم الله تعالى وهو المحفوف بعناية الله تعالى وحفظه وكلاءته في كل حركة وسكون إذ قد تولاهم الحق عز وجل…فالولاية هي الإحاطة الكبرى فقد يتولى الحق عبد من عباده بالرسالة أو النبوة لذلك نقول دائما : كل رسول نبي وكل نبي ولي و العكس مردود باطل

و الشريعة ــ أو ما كان بقياس أهل التشريع في حكم إظهار مقام الرسالة ــ فهي تبقى ببقاء الدنيا وتزول بزوالها ويبقى حكم النبوة ساريا حتى يدخل اهل الجنة الجنة وأهل النار النار فتنقطع عندئذ احكام الرسالة و النبوة وتبقى أحكام الولاية
أما حقيقة الرسالة من الجهة الباطنية فهي إبلاغ كلام للمستمع وتنقطع بإنقطاع التبليغ وتتجدد وتخص المتكلم والمستمع وهي حال لا مقال ويسمى الكلام الذي أُرسل به رسالة…ولقد جاء علم الرسالة في صورة اللبن وهي مقام عند الله تعالى ومنه يبعث الرسل
وحضرة الرسالة عند الكرسي لانه مجلى الأمر و النهي وهو عين مقام التشريع وهي إختصاص إلهي ثابت غير مكتسبة تثبت للحق تعالى صفة الكلام…فالرسول يبلغ ما قيل له عندما يُقال له ( قل ) وليس كل كلام يبلغه اما تبليغ ما جاء في نفسه من خواطر و إلهامات فلا يسمى رسولا وإنما هي مقام أخرقال تعالى : ( ياأيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس إن الله لا يهدي القوم الكافرين ) المائدة الأية 67…فهو أمر من الله تعالى بتبليغ الرسالة المنزلة عليه وقال عز وجل أيضا : (ما على الرسول إلا البلاغ والله يعلم ما تبدون وما تكتمون ) المائدة الاية 99…فالرسالة بذلك هي ما أُرسل به الرسول من كلام الهي أزلي وأُمر بتبليغه بأمر إلهي لذلك قلنا أنها تنقطع بإنقطاع التبليغ ويتقبلها الرسول بواسطة روح قدسي ينفث في روعه مثال ذلك : قوله صلى الله عليه وسلم : ( إِنَّ رُوحَ القُدُسِ نَفَثَ في رُوعي أَنّه لَنْ تَمُوتَ نَفْسٌ حَتَّى تَسْتكْمِلَ رِزْقَهَا فَاتَّقُوا اللهَ وَأَجْمِلُوا في الطَّلَبِ وَلاَ يَحْمِلَنّكُمُ اسْتِبْطَاءُ الرِّزْقِ عَلَى أَن تَطْلُبُوهُ بِمَعْصِيَةِ اللهِ فَإِنَّ مَا عِنْدَ اللهِ لاَ يُنَالُ إِلاَّ بِطَاعَتِه) رواه الحاكم…أو عن طريق ملك وهو الأكثر وكان يأتيه في صور شتى منها كما في الحديث عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ، أَنَّ الْحَارِثَ بْنَ هِشَامٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ سَأَل رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، كَيْفَ يَأْتِيكَ الْوَحْيُ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ” أَحْيَانًا يَأْتِينِي مِثْلَ صَلْصَلَةِ الْجَرَسِ ، وَهُوَ أَشَدُّهُ عَلَيَّ فَيُفْصَمُ عَنِّي ، وَقَدْ وَعَيْتُ عَنْهُ مَا قَالَ ، وَأَحْيَانًا يَتَمَثَّلُ لِي الْمَلَكُ رَجُلًا فَيُكَلِّمُنِي فَأَعِي مَا يَقُولُ ” ، قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا : وَلَقَدْ رَأَيْتُهُ يَنْزِلُ عَلَيْهِ الْوَحْيُ فِي الْيَوْمِ الشَّدِيدِ الْبَرْدِ فَيَفْصِمُ عَنْهُ ، وَإِنَّ جَبِينَهُ لَيَتَفَصَّدُ عَرَقًا ) رواه البخاري
أو بواسطة تكليم الله تعالى له مباشرة من وراء حجاب كما في حديث ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : أَتَانِي رَبِّي فِي أَحْسَنِ صُورَةٍ  فَقَالَ : يَا مُحَمَّدُ ، قُلْتُ : لَبَّيْكَ رَبِّ وَسَعْدَيْكَ ، قَالَ : فِيمَ يَخْتَصِمُ الْمَلَأُ الْأَعْلَى ؟ قُلْتُ : رَبِّ لَا أَدْرِي … ) رواه الترمذي وصححه الألباني
ولا يتلقى هذا الوحي إلا الرسول البشري وما عداه من أنواع التلقي يكون لغير االرسول فقد يكلم الملك مثلا غير الرسول ولا نسميه رسولا كما جاء في صحيح البخاري عن أبي هريرة- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لقد كان فيما كان قبلكم من الأمم ناس محدثون، فإن يك في أمتي أحد فإنه عمر. زاد زكرياء بن أبي زائدة عن سعد عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: لقد كان فيمن كان قبلكم من بني إسرائيل، رجال يكلَّمون من غير أن يكونوا أنبياء، فإن يكن من أمتي منهم أحد فعمر
واعلم أنه يختلف النبي والرسول من حيث أن النبي لا يكون إلا بشرا أما الرسول فقد يكون ملكا قال تعالى : ( الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس إن الله سميع بصير ) الحج الاية 75…ولا تكون النبوة و الرسالة في حق النساء ويجتمع النبي و الرسول في كونهما معا يوحى إليهما بشرع لكن الرسول تكون شريعته جديدة و النبي يتبع شريعة من قبله من الرسل فالنبي هو الذي أٌلقي فيه الروح فاختص به ولم يأمر أحدا بإتباعه

وهناك عدة أمور تخص الأنبياء لا يشاركهم فيها أحد غيرهم في الحكم كصيام الوصال و الزواج بأكثر من أربعة كما هو شأن نبينا صلى الله عليه وسلم…ثم إن كل الأنبياء و المرسلين بعثوا لقومهم خاصة إلا سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم بُعث رحمة للعالمين…أما الورثة الذين أُذن لهم بالتبليغ فينبغي أن يكون سندهم متصلا برسول الله صلى الله عليه وسلم  فهو أيضا مبلغ لرسالة الرسول فهو رسول الرسول هذا في حكم التبليغ الخاص اما التبليغ العام فهو مكفول لكل احد من الأتباع بحكم  بلغوا عني ولو أية
واعلم ان الرسالة انقطعت لكن الإلقاء بغير التشريع لم ينقطع  بحيث أنه بقي بحكم الوراثة المحمدية تنزلات القرآن في قلوب عباد الله الصالحين فالقرآن محفوظ من قبل الله تعالى وهذا التنزل القرآني في قلب العبد الصالح لا يتنافى مع حفظ القرآن لانه إلقاء روحي في فهم معاني القرآن فيتذوق العبد بذلك كيفية الإنزال و كيفية الإلقاء و إذا أُمروا بالتبليغ فإنهم يصبحون كالرسل مجبرون على التبليغ لكن هذا لا يعني تغيير الشريعة فالشريعة باقية لا تتغير و  احكامها ثابتة و أوامرها ونواهيها لا تقبل زيادة ولا نقصان فالولي لا يأتي بشرع جديد و إنما يأتي بفهم جديد فتذكر هذه القاعدة ففيها الامان من الزيغ والفهم عن الله ورسوله عنوان الصديقية الكبرى و منشور الولاية فلا يُؤتاه إلا عبد نقي القلب تقي قد إمتلأ قلبه بنور الحبيب صلى الله عليه وسلم فأصبح يتلقى أسرار الرسالة بأنوار الرسول صلى الله عليه وسلم لا به فعن وقال علي بن أبي طالب كرم الله وجهه وقد سئل ” هل خصكم رسول الله صلى الله عليه وسلم بشيء دون الناس ؟ فقال : لا والذي فلق الحبة وبرأ النسمة ، إلا فهما يؤتيه الله عبدا في كتابه ، وما في هذه الصحيفة ، وكان فيها العقل ، وهو الديات ، وفكاك الأسير ، وأن لا يقتل مسلم بكافر
و إن شئت مزيد إيضاح فالتنزلات القرآنية لا تكون إلا في قلب طاهر مطهر إصطفاه الحق تعالى على نعت الإلقاء الروحي المشار إليه في قوله تعالى : ( رفيع الدرجات ذو العرش يلقي الروح من أمره على من يشاء من عباده لينذر يوم التلاق ) غافر الأية 15
واعلم أن الرسل مبشرون ومنذرون والولي يمكنه التبشير و التنذير لكن لا يقيد ذلك بشيئ أما الرسول فيبشر ويقيد ذلك التبشير بعمل مخصوص فهذا لا يكون إلا للرسول فهو كانه وضع لك معادلة إن فعلتها كانت لك النجاة و إن لا فلا…أو كأن يبشر الكافر في حال كفره وينذر المؤمن في حال إيمانه ــ كحديث الذي قتل نفسه في الجهاد ــ فهذا خاص بالرسول وليس للولاية فيه دخل

وبقيت صفة القدرة للأولياء فيقول لك مثلا : فلان من أهل الخير أو فيه الخير او سيكون له شأن دون تقييد ذلك بعمل فيكون ذلك حصل لهم من خلال تجلي خاص عرفوا به ذلك فهذا من نبوة الإخبار لا من نبوة التشريع
والرسالة من الكرسي لذلك فهي خاصة لمن له عقل واسع لان العوالم كلها مع الكرسي كحلقة في فلاة وهي تتنزل من الكرسي وتعود إلى سدرة المنتهى بحكم صور لذلك كنت تذكر مثلا لا حول ولا قوة إلا بالله فتنبت لك نخلة في الجنة…فأنت أنشأت بكلامك منتوجا في حكم صورة أنزل لك المعنى من عالم الكرسي و انت إشتغلت عليه فانتجت عالم وكون اخر…فكانت الرسالة مبدؤها الكرسي ومنتهاها سدرة المنتهى فسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم دخل السدرة بمقام الرسالة و أتى بشرعية الصلاة أما بمقام اخر فلا نستطيع أن نقول ذلك لحديث ( نور نبيك يا جابر) فمن نوره خلق كل شيء…فالقبضة النورانية ليست رسالة
والرسالة البشرية لها معاني كثيرة فتأتي بمعنى العبودية و الإفتقار ونفي الألوهية لذلك كثيرا ما يؤكد الحق عزوجل على بيان بشريتهم حتى لا يُتوهم في حقهم غير ذلك قال تعالى : ( مَّا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ ۖ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ ۗ انظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ ثُمَّ انظُرْ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ ) المائدة الأية 75
و الرسالة هي منتهى غايات الإنسان الكامل لذا لها الحق في العودة إلى سدرة المنتهى…فكوني محمدا معنى تحقق في صورة ثم تنزل في صورة كاملة طاهرة مطهرة فكان محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم ثم عاد بهذه الصورة إلى المعاني التي تنزلت بها القبضة النورانية…أما بحكم الولاية فإن لها الحق في السدرة بحكم  السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين
واعلم أن الرسالة المحمدية للمصطفى صلى الله عليه وسلم هي أكمل مجلى للحق تعالى فبحكم الأسماء كان له تجلي الإسم الجامع الله حتى قال تعالى في حقه : (وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى  ) الأنفال الاية 17 وقال في حقه تعالى : ( إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله ) الفتح 10..فكان له أسرار الإسم الجامع خاصة وكان لغيره من الأنبياء باقي تجليات الأسماء فكان لسيدنا عيسى عليه السلام مثلا تجلي الإسم القدير فكان يحي الموتى بقدرة الله تعالى

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

إغلاق