مقام الرسالة

مقام الرسالة : مجلى الخلود

بسم الله الرحمن الرحيم

مجالس الشيخ المربي المحقق سيدي محمد فوزي الكركري رضي الله عنه

مجلس الجمعة : 16 ربيع الثاني 1436هـ

مقام الرسالة : مجلى الخلود

المجلس الثاني

 

روى الترمذي في سننه عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم 🙁 إن الرسالة والنبوة قد انقطعت ، فلا رسول بعدي ولا نبي ، قال : فشق ذلك على الناس ، فقال : لكن المبشرات قالوا يا رسول الله وما المبشرات ؟ قال رؤيا المسلم ، وهي جزء من أجزاء النبوة )…فدل الحديث على إنقطاع الرسالة والنبوة ببعثته صلى الله عليه وسلم فلا وجود لتشريع غير تشريعه عليه السلام…ويبغي أن تعرف أن النبوة اوسع و أعم من الرسالة لقوله صلى الله عليه وسلم : ( كنت أول الأنبياء في الخلق و أخرهم في البعث ) رواه الطبري و إسناده صحيح

ولما كانت النبوة و الرسالة إسم من أسماء العبودية فقط إذ لم يتسمى الحق بها شق ذلك على الناس لأنهم إستشعروا أن الوصل بين العبودية و الربوبية انقطع لأن المرء على قدر بعده عن عبوديته على قدر بعده عن الحق تعالى…فمن ابتعد عن عبوديته فكانه يريد أن يشارك الحق في أسمائه والحال أن ذلك متعذر لفناء العبد وبقاء الرب لذلك بشرهم ببقاء المبشرات التي هي من اجزاء النبوة إشارة إلى إبقائه تعالى لنا إسم الولي الذي سمى الحق به نفسه فقال ( الله ولي ) وسمى به عبده فقال : ( من عاد لي وليا ) فبذلك يتولى الحق عباده الصالحين بحيث أبقى إسم الولاية سارية في الوجود على جهة ظاهرية وباطنية حتى يتخلق العبد بأخلاق سيده كما جاء ( تخلقوا باخلاق الله ) على

نعت ( ما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى احبه ) فهذا الإسم الولي خاص بتجلياته على أحبابه… أما النبوة و الرسالة فارتفعت بانتقال الحبيب إلى الحبيب فارتفع معه الإسم

ولكن بقي حكم التبيلغ عن الرسول صلى الله عليه وسلم ساريا في هذه الأمة حتى تعم رسالته العالمين لذلك صح عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله : ( نضر الله امرءا سمع منا حديثا فحفظه حتى يبلغه غيره فرب حامل فقه إلى من هو أفقه ورب حامل فقه ليس بفقيه ) يعني لا يكون المبلغ مبلغا عن حضرة الرسالة حتى يكون تبيلغه حرفيا لا تحريف فيه ولا تبديل ولا زيادة فيه ولا نقصان يبلغ ما سمعه عن الرسول صلى الله عليه وسلم من قول أو رآى عنه من فعل كما هو ففي رواية اخرى للحديث السابق عن ابن مسعود رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ” نضر الله امرءا سمع منا شيئا فبلغه كما سمعه فرب مبلغ أوعى من سامع ” فيخرج بذلك الذي يبلغ ما فهمه هو عن المصطفى صلى الله عليه وسلم فهذا كأنه يبلغ عن نفسه لا غير…لأن محاولة فهم النص شيء والنص شيئ اخر…وفهم النص له قواعد و ضوابط معروفة عند أهلها

وقد قال صلى الله عليه وسلم أيضا : ( ألا ليبلغ الشاهد منكم الغائب ) رواه البخاري فالشاهد هو الذي كان حاضرا في حضرة الشهود فأمرهم صلى الله عليه وسلم بما أُمره به ربه من التبليغ فكانوا رسلا لرسول الله صلى الله عليه وسلم فكان لهم حظ من اسم العبودية…لذلك أشركهم الحق تعالى معه فقال : ( محمد رسول الله و الذين معه ) فالذين معه قد أشركهم في التبليغ ما سمعوه عن حضرته الشريفة

ولما كان الحق تعالى قد بعث رسوله سيدنا محمدا صلى الله عليه وسلم رحمة للعالمين فكانت رسالته رحمة للناس اجمعين لأمره الحق بالتبليغ فقال : ﴿ يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك ﴾ المائدة الاية 67 وقال سبحانه وتعالى في سورة الشورى : ( فإن أعرضوا فما أرسلناك عليهم حفيظا إن عليك إلا البلاغ ) الاية 48 وقال تعالى : ( ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء ) البقرة الاية 272…بحكم أن عليه التبليغ في باب الرسالة وليس عليه هدايتهم لانها خاصة بالحق جل جلاله قال تعالى : ( إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء ) القصص الاية 56…فعلم صلى الله عليه وسلم المراد بالرسالة التي هي التبليغ فلم يخفي شيئا مما أمره به ربه تعالى….لذلك قال تعالى لحضرته الشريفة : ( وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون ) الأنعام الاية 116…يعني لا تسمع كلام أحد ولكن بلغ و إن سمعت ما سمعت فأنت عين اليقين وهم لا يتبعون إلا الظن

واعلم أوردك الحق موارد الإختصاص أن أشرف العلوم ما ناله العبد عن طريق الوهب من الوهاب جل جلاله قال تعالى : ( الرحمن علم القرآن ) الرحمن الاية 1و2…فلا تأخذه بصفته إلا من الرحمن فإذا الإنسان قرأ القرآن وفهمه أدرك إسم القرآن ومن بحث في أسماء الحق وعلم اسم الرحمن علم عرشية الرحمن ومن علم ذلك علم البيان فتوجه إلى الرحمن أولا لتنال أسرار القرآن ويتفتق لسان حالك بالبيان

وعليك أن لا تظن وتعتقد أن النبوة والرسالة كسبية بل هي وهب محض لأنها إختصاص إلهي يعطيه من يشاء من عباده ففي عهد نبي الله موسى عليه السلام كان هناك من هو أفصح منه لسانا مع ذلك إختاره الحق على من سواه حتى تعلم أنها غير كسبية…وهذا الأصل عند أهل الكشف و البصيرة لا إختلاف فيه أما الذين حكموا عقولهم من غير إتباع لنبي يظنون غير ذلك والعقل يصيب ويخطئ وهو في مجال الغيبيات خطأه أكثر من صوابه ومتى ما وقف مع حده أصاب …فلذلك الشرع أولا ثم العقل فالعقل يتبع الشرع ولا عكس ولقد بين لنا الحق في التنزيل متى نستخدم الفكر وذلك عند الذكر ومعه وبعده…لأن الذكر يطرد الشيطان و يصفي القلب و الذهن فيكون العبد تحت عناية الحق ويكون استمداده من حضرة المذكور فيكون صوابه بالحق لا به فلا حول للعبد ولا قوة إلا بسيده…لذلك كان العقل وحده عاجز عن معرفة الربوبية أما إذا اتبعت الشرع الشريف الذي يبين لك قوانين السلوك في نوامس هذا الوهم حتى تصل إلى رب العزة

أما التفاضل بين المرسلين فليس بحكم الرسالة و إنما في سر صاحب الرسالة لخصوصيته عند ربه لذلك كان أفضلهم سيد الخلق صلى الله عليه وسلم…فرسالات الحق كلها من الحق لإظهار كيفية التعامل مع نوامس الوهم حتى نصل إلى الحق لذلك كان التفضيل يتوجه نحو ذات الرسول وليس نحو الرسالة فكل رسول له سر مخصوص فضل به على الأخر…وجامع الفضائل و الأسرار من أوتي جوامع الكلم صلى الله عليه وسلم

واعلم أنه ليس للرسول إن شاء إقامة الدليل للمرسل إليه و إنما هي جبر فعليك أخذها كما هي سواء أعجبتك أم لم تعجبك لأن الإيمان به يوجب ذلك يعني تتبع حتى و إن لم تعرف الحكمة من التشريع ومن هذا السر تفاضل الأتباع في قوة الإيمان…لذا كان نور الإيمان يقذفه الحق في قلب العبد المؤمن الذي سلم قلبه من الشكوك وأسلم قلبه وروحه لله تعالى فهو فتح من الله تعالى لا لعين الدليل…لذلك حتى نحن في الطريق بحكم سيرنا بمجرد أن يأتي أحد نعطيه النور لأننا نرى أن الذي أتى به الحق إلى الشيخ كعلامة على أن الحق أراد له ذلك النور و لولا ذلك لما أتى به إلى من يوصله إليه…ولكن الفهم و ذوق المراتب وحاله معها يعود لنفسه سواء انكره بعد ظهوره له او أقره

والإيمان يجده المرء في قلبه لا يستطيع دفعه إن كان منشؤه عن ذوق وفي المقابل كل من كان إيمانه عن طريق الدليل إلا كان إيمانه على قدر قوة دليله فإن جاءته جبهة فوق استدلاله اهتز ايمانه لذلك كان المشرك يرى المعجزة فيلين قلبه فتمر على قلبه شبهة فيزول لينه وميله نحو الإيمان

واعلم أن المريد عندما يكون جالسا يذكر ربه فتأتيه تجليات قدسية فهذه التجليات مراتب ومعاني قيدت في الصور حتى يسهل عليك الفهم فبرؤيتها كأنك تأخذ عنوان الكتاب فإن أراد المعنى عليه أن يدرك ما وراء الصور…وتأمل قصة موسى عليه السلام مع الرؤية فبعد أن سمع خطاب ” لن تراني ” قيل له ” انظر إلى الجبل ” يعني النظر الى الصورة فمن وقف مع صورة التجلي فرؤيته صحيحة ولكن سيدنا موسى عليه السلام أراد المعنى و الأصل ” فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا وخرّ موسى صعقا ” فلما فني وصعق عرف المعنى والسر وعاد لصورة التجلي ثم استغفر وتاب…ومن هذا المنزل الموسوي يسير المريد على خطى نهج النبوة لأن الانبياء جعلهم الحق أسوة للأقتداء بهم في الظاهر والباطن وبالتالي فالمريد إذا وقف مع صورة التجلي كان له عنوان العلم ومن أدرك ما وراء الصورة وصل لعين العلم…كأنك وانت مع صور التجلي قد ظهر لك جبل الطور وحجب عنك دكه فعليك ان تقذف بنور الإيمان على صورة التجلي حتى تندك وتتلاشى من مشهدك فتعرف ما وراءها من العلوم والأسرار فعلى هذا المنوال يكون السير…و النور الأصلي الإيماني تأخذه في بدء البدء عند البيعة…وحتى يستبين لك معنى مرادنا نعطيك مثالا أخر وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن ينظر إلى صورة جبريل عليه السلام فقط ولكن كان ينظر إلى ما وراءها من حيث نزول القرآن فالمقصود ليس جبريل ولكن القرآن فهكذا المريد المقصود المعنى لا صورة التجلي

والتجلي لا يحصل بالفكر و إنما يأتي من حضرة الحق تعالى فعليك فهم الرسالة التي من أجلها ظهر لك التجلي…فالتجليات نصوص صامتة عليك أن تفك معانيها إلى علم ذوقي…مثال ذلك تفسير اللبن بانه علم فالعلم معنى تجلى بصورة اللبن وانظر كذلك الى حروفك وأنفاسك التي خرجت بالتسبيح كيف ظهرت في الجنة على شكل صورة فأت تعود إلى حيث همتك فعندما تخل الجنة تجد ما أنشأت بذكرك و أعلى سقف هو سدرة المنتهى…ولكن الحيرة الكبرى هي تلك النوامس التي اتبعتها على نهج المرسلين بتزكية نفسك ومحو اغيارك بنور ايمانك حتى ظهر لك سر ايمانك يوم المزيد فتحظى عندئذ برؤية ربك

وهذا السلوك لا ينكره أحد فالدين ثلاث مراتب فعن سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال : بينما نحن جلوس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم ، إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب ، شديد سواد الشعر ، لا يرى عليه أثر السفر ، ولا يعرفه منا أحد ، حتى جلس إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأسند ركبته إلى ركبتيه ، ووضع كفيه على فخذيه ، وقال : ” يا محمد أخبرني عن الإسلام ” ، فقال له : ( الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ، وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة ، وتصوم رمضان ، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا ) ، قال : ” صدقت ” ، فعجبنا له يسأله

ويصدقه ، قال : ” أخبرني عن الإيمان ” قال : ( أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ، وتؤمن بالقدر خيره وشره ) ، قال : ” صدقت ” ، قال : ” فأخبرني عن الإحسان ” ، قال : ( أن تعبد الله كأنك تراه ، فإن لم تكن تراه فإنه يراك ) ، قال : ” فأخبرني عن الساعة ” ، قال : ( ما المسؤول بأعلم من السائل ) ، قال : ” فأخبرني عن أماراتها ” ، قال : ( أن تلد الأمة ربتها ، وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء ، يتطاولون في البنيان ) ثم انطلق فلبث مليا ، ثم قال : ( يا عمر ، أتدري من السائل ؟ ) ، قلت : “الله ورسوله أعلم ” ، قال : ( فإنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم ) رواه مسلم .

فعلى المرء أن يتوقف مع الكلمات لعله يتنسم شيئا من روحها فتأمل رحمك الله لذوق الفاروق رضي الله عنه عند قوله : جلس إلى النبي ولم يقل إلى الرسول لأن جبريل جاء بصفة الرسول فبقي النصف الألفي النبوي متجليا أنذاك في الحبيب صلى الله عليه وسلم حتى يكتمل الألف باجتماع الرسول ( جبريل ) والنبي ( سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم )…أما كونه جاء في صورة رجل فلكونه جاء الى الصورة المحمدية في المسجد فلو نزل إلى النجم لكان سيظهر في أمر أخر

فقال يا محمد : ولم يقل يارسول الله أو نبي الله لأن النبوة والرسالة ظاهرة موجودة ثابتة ولكن خاطبه باسم العبودية يا محمد صلى الله عليه وسلم فجرى ذلك الحوار بين النبوة والرسالة فلا يفهم الدين بالإجماع إلى بأخذ المراتب الثلاث و السير عليها فالإسلام هو الجانب العملي و الإيمان هو الإعتقاد القلبي و الإحسان يتوجه نحو الجانب الروحي لذا فالجمع بين ذلك يوصلك إلى الكمال

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

إغلاق