مقام الرسالة

مقام الرسالة : سر الخلود

بسم الله الرحمن الرحيم

مجالس الشيخ المربي العارف بالله تعالى سيدي محمد فوزي الكركري رضي الله عنه

مجلس الجمعة : 01 جمادى الأولى 1436 هـ الموافق 20 فبراير 2015م

مقام الرسالة : سر الخلود

المجلس الثالث

اعلم أيدك الله بتوفيقه أنه لما كان السريان النوراني والتلقي الرحماني لا يحصل بين المُلقي و المتلقي إلا إذا كانت بينهما مماثلة فلولا ذلك لأنتفى الإنتفاع لان الجنس للجنس أميل…ولما كانت بعض النفوس قد تراكم عليها الحجاب واستوجبت العتاب ورأت أن الوحي لا يتنزل على من كان مثلها في الصورة رد عليهم سبحانه و تعالى فقال : ( قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين لنزلنا عليهم من السماء ملكا رسولا ) الاسراء الاية 95…فهو خطاب لنبيه الكريم أن يقول للذين أبوا الإيمان به و صدوا عن سنته وهديه لأنه ابتعثه الحق منهم على شاكلتهم في الصورة بشرا رسولا فوقفوا مع بشريته ولم يريدوا أن يخضعوا لخصوصيته التي أظهرها الحق كالشمس وضحاها…وما منعهم من رؤية سطوع شمسه عليهم إلا ما سكن في قلوبهم من أنواع الحجب التي تغطي الحقيقة وما ذاك إلا حجاب شهود المثلية…ولذلك قال الحق لرسوله صلى الله عليه وسلم أن يقول لهم لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين لأنزل عليهم من السماء ملكا رسولا لأن الملك لا يراه إلا الملك أو من أهله الحق لرؤيتهم…فلما كان الأمر كذلك وكان على وجه الأرض البشر بعث الله منهم بشرا رسولا فكان على هيئتهم في صورتهم الظاهرية لكنه مصطفى { وَاصْطَنَعْتُك لنَفْسي } طه الأية 41

وبحكم النفس غالبا لا تستقبل الأمر التكليفي الذي يأتي به الرسل فتريد الأخذ من غير جنسها وذلك مخالف للحكمة لأنه لا يصح الإقتداء إلا بالمماثل…والنفوس إذا تركت وما تريد تعطلت مصالح الناس وفسدت معايشهم ولتسلط قويهم على ضعيفهم و غنيهم على فقيرهم بسبب اختلاف رغباتهم ومقاصدهم…فلابد لنا إذا من سند نؤصل به سيرنا إلى الله و ننظم به سلوكنا فيما بيننا ونتعامل بتوجيهاته مع محيطنا فظهرت الحاجة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم

وبصيغة أخرى من حيث الحضرة الأسمائية كأنما اجتمعت هذه الأسماء بحضرة المسمى وطلبت أن تظهر حقائقها وتبرز أعيانها في الأثر العدمي وتكون لها سلطنة على هذا العدم فاجتمعت قبل ظهور الأثر…عندما نظرت إلى صفاتها و أحكامها وجدت كل اسم يخالف الأخر في عين واحدة فالسميع هو الحكيم وهو القوي بحكم وحدة العين ولكن في نفس الوقت ليس هو الحكيم و ليس هو القوي بحكم اختلاف أحكامها ومقتضياتها…لذا طلبت الأسماء من الإسم الجامع الله أن تظهر أحكامها و أثارها فاستجيب لطلبها ، فأعطاها الله عز وجل حلة التجلي حتى تظهر سلطنتها في هذا العدم

وفي حكم الوصل والفصل بين الألف الأحدي أو الفرداني و اللامين حيث الإطلاق الأسمائي فما كان من الأسماء في الجهة العلوية كان جماليا وما كان منها في الجهة المقابلة ( التحتية ) كان جلاليا وفي الحقيقة ما يقسمها إلى علوي و تحتي إلا نفسك لأن في ملكوت الحق تختفي الجهات…و المريد إذا أراد أن يكون في لب التوحيد عليه أن يجمع الأسماء الجمالية مع الجلالية فلا تحجبه تلك عن هذه ولا هذه عن تلك

وفي حكم الألف الأحدي حيث البطون الأسمائي و إن شئت قلت حيث العماء الأسمائي الذي تنزلت منه الأسماء في مرتبة الألف المقدر واجتمعت على حقيقته وذلك بين الألف الأحدي و اللامين…إجتمعت من أجل أن تطلب ظهور احكامها لأن مرتبة الألف المقدر مرتبة إطلاقية لا تقبل التقييد و أحكام الأسماء لا تظهر إلا في أثر عدمي مقيد فكان لابد من ظهور حقيقة تقبل بروز أثار الأسماء فيها وليست إلا الهاء…فأظهرت الأسماء سلطنتها في العدم فكانت صور المخلوقات العدمية منفية بحكم هاء الهوية ومثبتة في الآن ذاته بحكم سر القيومية الذي قامت به الكائنات ومن ثَمَّ قيل : من لا وجود لذاته من ذاته فوجوده لولاه عين محال ،وقيل : الأكوان ثابتة بإثباته ممحوة بأحدية ذاته

وإليك هذا الرسم البياني من أجل التقريب فقط

واعلم أن الأسماء لما نظرت إلى بعضها البعض وجدت أنها لا تستطيع الإستغناء عن حقائق بعضها البعض فالأول حقائقه مرتبطة بالأخر و الظاهر حقائقه مرتبطة بالباطن وهكذا يرتبط كل اسم بأخر…لذلك في طريقتنا من بين صور الإلحاد في الأسماء أن يكتفي المريد بذكر اسم من أسماء الله الحسنى ــ من غير الإسم الجامع الله ــ منفردا…فإما أن تقرنه باسم أخر مقابل له أو تضيف إليه الله مثلا ( الله الرحيم ) هذه القاعدة في الأسماء الظاهرية وكذلك الباطنية…وهذه الأسماء لما نظرت إلى الألف المقدر بحكم عودتهم لأحدية الإسم فقالوا بلسان الحال : كيف العمل ونحن نريد أن نظهر أحكامنا فعلموا أن الحضرة التي اجتمعوا اليها لا تقبل تأثيرهم أبدا…فكذلك المريد عندما تظهر له المشاهدة فهو يعلم أنها لا تقبل تأثيره بمعنى لا أحقية له في أن ينفذ تأثيره في الملك بسبب عيشه الأدمي المقيد أو قل : لا قدرة له على إنزال ما هو ملكوتي إلى الملك أو ما هو في حكم الإطلاق إلى التقييد…فمن هنا تعرف ضعف المريد لأنه لا يمتلك حقيقة الألف المقدر فهو كأنه يملك لوحة وليس له قلم

وباعتبار أخر سألت هذه الدائرة العدمية الأسماء كيف نتواصل ونحن أعدمنا العدم يعني قبل ظهور سلطنة الأسماء في العدم فنحن نتكلم قبل الكلمة الروحانية ” كوني محمدا ” حيث لا ظهور ولا بطون فإنما ظهرت ” كوني محمدا ” فأظهرت سلطنة الحكم الأسمائي وحلة التجلي…فبدأت الصور العدمية بحكم الظهور في حلة الإفتقار لأنها مفتقرة إلى سلطنة الأسماء المظهرة لها فأظهرها الظاهر ورزقها الرازق وخلقها الخالق وعلمها العليم وهكذا…فنحن لم نعرف حقيقتنا إلا بعد التجلي الأسماني فكان وصف الفقر و العجز و الجهل وجميع أوصاف العبودية لازم لنا…فالاسماء هي التي أخذت طلب العدم إلى الألف الأحدي لانهم قبل ذلك كانوا كلما توجهوا نحو اسم إلا وجدوا حقائقه مرتبطة باسم اخر فوجدوا أن هذه الأسماء لا تفي بإيصال طلب الهاء و إنما الحكم للذات العلية ــــ وبصيغة أخرى نقول أن هذه هي حركة السكون العدمي الذي تحرك بنظرة الحق إليه حيث نظر إليه بأسمائه فبدأ يتحرك بينها يريد من يظهره ومن يكسوه بحلتها ـــ لذلك إلتجأوا إلى الإسم الجامع ” الله ” فوجدوا حضرته حضرة جمع فطلبوا منه إظهار حقائقهم فكأنه قال لهم بلسان الحال : أنا الباب الذي أدخلكم على الذات العلية فدخل الإسم على المسمى…فعاد إليهم الإسم وقد خرج معه اسم المتكلم من كنزية الذات حتى يخبر عن أمرية الذات فيما يخص إظهار احكام الأسماء و إبراز مقتضياتها فظهرت الممكنات

واعلم انه لما ظهرت الممكنات تسلط بعضها على بعض وظهر بعضها على بعض بحكم اختلاف حقائق الاسماء المظهرة لها فخافت إثر ذلك الممكنات أن تعود إلى العدمية كما كانت وذلك لما تجلت عليهم الأسماء بشموليتها…لذلك كان الذي يذكر اسم معين بلا اذن يقوده ذلك نحو الهلاك لعدم إدراكه لهذه النوامس…فكان الحوار الأول من أجل الظهور وبدأ الحوار الثاني من أجل تنظيم هذا الظهور بدستور حيث لجأوا إلى الأسماء حتى ينظروا في طلبهم فتوجهت الأسماء إلى الإسم الجامع عسى أن يدلهم على من يحد لهم حدا يحتكموا إليه فدلهم على اسم المدبر لأن يكون حاكما عليهم ووزيرا عليهم قال تعالى : (اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ۖ ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ ۖ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ ۖ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى ۚ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ ) الرعد الأية2…فكان اسم الرب هو الذي وضع لهم الحدود والنوامس من أجل تنظيم المملكة…ففطر الله تعالى من الناس حكماء وضعوا قوانين ونوامس يحكمون بها أنفسهم بأنفسهم وينظمون بها أمرهم بينهم إلا أنها لم تكن كاملة وكانت تتميز بالنقص دائما وهم في إجتهاداتهم تلك لا يأخذون أجرا لأنهم غير مستندين إلى الشرع الشريف…فهم تجدهم يتعاملون بنواميس إلهية ومع ذلك تجد منهم من ينكر توحيد الحق تعالى و البعث و يلحد لأن أمرهم و قوانينهم بنوها في حكم هذه الدار فقط…وهذا من لطف الله الخفي في خلقه فلو لم يلهمهم للتوافق على قوانين وضعية بينهم لما استطاعوا التعايش بينهم ولأفسدوا دنياهم كما أفسدوا أخرتهم بعدم اتباعهم للأنبياء…وظهر عقل أخر يبحث عن خالقه ويتجوه إليه عن طريق إلهام فطري ــ لأن الحق خلق الخلق على الفطرة النقية فكل مولود يولد عارفا بربه ــ كذلك لكنه وصل إلى مرتبة في الفكر لا يقدر على تجاوزها…فهنالك بدأ طلب الشرع من خلال الممكنات حتى يحتكموا إليه في حد الأين بإظهار نوامس إلهية حتى يعبدوا الله تعالى على وفق أمره ونهيه لذلك فالشرع جاء بطلب العدم

فنقول للمريد من خلال ما مر باعتبار تنزيله بحكم السير لا تظن أنك تصل إلى علم أهل الله تعالى دون أن تطلبه بحكم مجاهدتك للنفس و الهوى و الشيطان بإزالة كل الشواغل وذلك بالسير على وفق الشرع المحمدي و إلا فانت مردود…فالواردات تأتي على حسب استعداد العبد وهمته كما قال شيخ مشايخنا سيدي أحمد العلوي ” جاهد تشاهد ” فلا تنتظر أن تأتيك ببساطة وسهولة قال تعالى : ( الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار ) ال عمران الأية191…عليك في البداية من الإكثار من ذكر الله تعالى وخاصة الاسم المفرد الله كما في الآية ” يذكرون الله ” بالإضافة الى باقي الاذكار و نوافل الخيرات فتنتقل إلى مرحلة الفكر ” يتفكرون ” وعندما تصل إلى ” ربنا ما خلقت هذا باطلا ” تكون قد وصلت إلى محاورة الأسماء حتى تصل إلى الألف الأحدي وهنالك تظهر لك حقيقة التنزيه على بساط التفريد ” سبحانك “…وعندئذ تنفك عقدت لسانك بالمتكلم في حكم الأسماء وليس في حكم المسمى…بمعنى أن طريقك نحو المعرفة بالله تعالى تكون على نهج بدأ ظهور الممكنات من العدم بالبحث و تحاور الاسماء فيما بينها فعليك ان تتوجه نحو الأرض فتعرف أنها مفتقرة إلى السماء لإرتباطها بها وهكذا تنتقل حتى تصل إلى الإسم الجامع الله لأن الانطلاق من المخلوق يؤدي الى معرفة عظمة الخالق

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

إغلاق