مقام الرسالة

حضرة الرسالة: مقام الخلود

بسم الله الرحمن الرحيم

مجالس الشيخ المربي سيدي محمد فوزي الكركري رضي الله عنه

مجلس الجمعة: 22 جمادى الأولى 1436هـ الموافق ل 13 مارس 2015م

حضرة الرسالة: مقام الخلود

المجلس السادس و الأخير

إن الرسالة الإلهية هي كل ما أوحى الله تعالى به إلى رسله من توجيهات عقائدية وأوامر شرعية ليبلغوها إلى الأقوام الذين أرسلوا إليهم…فهذا هو تعريف الرسالة التي مصدرها واحد وهدفها واحد وغايتها عبادة الله وحده لا شريك له وكلها تدعوا إلى إخلاص العبودية لله تعالى…لذلك كان مقام حضرة الرسل والأنبياء وملتقاهم في برزخية الألف وذلك ليس عبثا فلما كان مصدرهم واحدا ناسب أن يكون مقامهم في مرتبة الألف الذي له الرقم واحد فكان الواحد في الواحد

ولما كانت هذه النظرة التوحيدية هي الأصل الذي سرى في مراتب الشريعة حتى أنك إذا قمت بتبسيط الألف حيث مقام المرسلين فتقول: (أ ل ف) وحسبت هذه الحروف بحساب الجمل ستجد رقم: 111 إشارة إلى قيام كل المراتب على التوحيد فهي ثلاث وحدات تشمل توحيد البداية في رتبة الإسلام وتوحيد القصد في رتبة الإيمان وتوحيد الشهود في مرتبة الإحسان

فالإسلام هو الالتزام بالعبودية على وجه شرعي جاءت به الرسل والإيمان هو التوحيد في السيرة المختصة بأعمال القلوب والإحسان هو التوحيد بالمشاهدة أي شهود لما قضى وقدر وأخفى وأظهر…أما الحضرة الأقدسية لا تقبل زيادة العبد فيها من دخلها تلاشى

واعلم أن القرآن و السنة النبوية جمع الله فيهما بين الشريعة والحقيقة فمن ذلك قوله تعالى في سورة التكوير: ( إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ (27) لِمَن شَاءَ مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ (28) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (29) ) فعندما نسب المشيئة إلى العباد في الآية 28 فذلك شريعة وعندما نسبها في الآية 29 إلى الله تعالى فذلك حقيقة…ومن ذلك أيضا قوله تعالى في سورة الفاتحة : ( إياك نعبد و إياك نستعين ) فإياك نعبد شريعة و إياك نستعين حقيقة فكل ما أشهدك فعلك فهو شريعة وكل ما أشهدك فعل الحق

فيك فهو حقيقة لذلك لا ينبغي إنكار علم الباطن الذي هو الحقيقة و لا يجب الاكتفاء بظاهر الشريعة بل لابد من الغوص في أسرارها حتى تشهدك الأمور كما هي عليه

وحضرة المرسلين عليهم الصلاة والسلام تدعوا إلى إصلاح المجتمع الإنساني لذلك كانت تختلف شرائعها حسب الزمان والمكان الذي توجد فيه المجتمعات…أما الأصول والحقيقة فهي واحدة والمركز واحدا وهو المصطفى صلى الله عليه وسلم…لذلك كان القرآن الكريم هو أكمل وأشمل الكتب المنزلة فكل الكتب السماوية مجموعة فيه لذا كانت للسور القرآنية تلك الشمولية الواسعة التي تدل على كماله

ولقد قال سبحانه وتعالى في سورة النجم: (والنجم إذا هوى ما ضل صاحبكم وما غوى وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى) الآيات من 1 الى 4… ولقد روى الأعمش عن مجاهد في قوله تعالى: (والنجم إذا هوى) يعني: القرآن إذا نزل. وهذه الآية كقوله تعالى: (فلا أقسم بمواقع النجوم وإنه لقسم لو تعلمون عظيم إنه لقرآن كريم في كتاب مكنون لا يمسه إلا المطهرون تنزيل من رب العالمين) الواقعة: 75 -80

وقوله : ( ما ضل صاحبكم وما غوى ) هذا هو المقسم عليه ، وهو الشهادة للرسول ، صلوات الله وسلامه عليه بأنه بار راشد تابع للحق ليس بضال ، و الضال : هو الذي يسلك على غير طريق بغير علم ، والغاوي : هو العالم بالحق العادل عنه قصدا إلى غيره ، فنزه الله [ سبحانه وتعالى ] رسوله وشرعه عن مشابهة أهل الضلال كالنصارى وطرائق اليهود ، وعن علم الشيء وكتمانه والعمل بخلافه ، بل هو صلوات الله وسلامه عليه ، وما بعثه الله به من الشرع العظيم في غاية الاستقامة والاعتدال والسداد ; ولهذا قال : ( وما ينطق عن الهوى ) أي : ما يقول قولا عن هوى وغرض ، ( إن هو إلا وحي يوحى ) أي : إنما يقول ما أمر به ، يبلغه إلى الناس كاملا موفرا من غير زيادة ولا نقصان ، كما رواه الإمام أحمد

وفي الصحيح عن عبد الله رضي الله عنه قال: أول سورة أنزلت فيها سجدة: (والنجم)، قال: فسجد رسول الله -صلى الله عليه وسلم -وسجد من خلفه، إلا رجلا رأيته أخذ كفا من تراب فسجد عليه، فرأيته بعد ذلك قتل كافرا، وهو أمية بن خلف

ولقد سمى الحق تعالى حبيبه -صلى الله عليه وسلم – في كتابه العزيز بالنجم الثاقب وسماه بالنور والعروة والوثقى وبالحق والصراط المستقيم والسراج المنير والهادي وقدم صدق وغيرها من أسمائه الشريفة

لذلك المريد عندما يكون ذاكرا متوجها متعرضا لنفحات الله تعالى فيتجلى في قلبه نجم نوراني فهو المصطفى – صلى الله عليه وسلم – و إذا تبعت الطريق على نهج جدي ستعلم أنها العروة الوثقى و إذا سرت على نعت القراءات و المراتب علمت أنه الصراط المستقيم وإذا خالفت فاعلم أنه الشاهد فاحذر…و إذا توالت عليك الأنوار فأنت في حضرة السراج المنير…و إذا قرأت القرآن فاعلم أنه الحق ولما كنت ظلمة في بدايتك وشرعت في سلوك طريق الله تعالى فانقلبت ظلمتك نورا فاعلم أنك في طريق الهادي فنوره هو الهادي لكل السائرين…فإن كنت كذلك فانت على الطريق و إلا فأنت ليس هنالك وكل ذلك حتى تعلم أيها المريد أنه ما برز لك من حضرة الحق إلا سيد المرسلين – صلى الله عليه وسلم – فلا ترى إلا بنظرته ولا تسير إلا في أسمائه عليه الصلاة والسلام التي تتجلى لك بكرة وعشيا

وينبغي عليك مادام هذا النجم الثاقب في قلبك أن تجاهد نفسك وتلزمها صالح الأعمال فالطريق لأهل المجاهدة فلا تسمع مني الكلام وتنام بل عليك بتحويل الكلام إلى أفعال فلا تتخيل أن تصل إلى الفتح والقرب و المعرفة دون أدب ولا عمل…فكملُ السالكون هم المجاهدون لأنفسهم لأنه لا يصل العاشق إلى المعشوق إلا على صفة المجاهدة فالمريد الحقيقي هو الذي تعرف على الحق وعشق جماله فاصبح لا يريد إلا وجه الحق تعالى…وطريق الدخول الى روضة العشق بدايتها الهادي عندما يهدي قلبك فيخرج من الظلمة إلى النور الثاقب فالأدب أن تجلس عند القَدمْ حتى تعرف القدم فمن لم يعرف الحق تعالى في دنياه ولم يتلذذ به والله لن يعرفه في الأخرة ولن يتلذذ به قال تعالى : ( ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلا ) الاسراء الآية 72

فإن كان عندك نجم ثاقب بشرى لك يوم القيامة…أو كوكب دري فبشرى لك يوم القيامة ولكن اعمل ثم اعلم وتذوق فنور الحق تعالى لا يعرفه إلا من بكت عيناه في الليالي…وأقول للذين عندهم نور: هل صحبته بإخلاص وثقة؟ هل صحبته بمحبة وهيام؟ أم أنك بعدما أبصرته جحدته حتى ثقل لسانك عن ذكر الله تعالى؟

فالألف المقدر لا تتخيل أنه خط ترسمه بل هو أثر تسير عليه حتى تعود بالنقطة من مقام إلى مقام في استقامة (وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون) الأنعام 153…حتى تعود بالنقطة إلى أصلها: وأنا النقطة

واعلم أن جوهر النفوس القدسية واحد و إنما اختلفت باختلاف الأمزجة الجسمية وسيدنا محمد – صلى الله عليه وسلم – أتمها اعتدالا…لذلك فالنور واحد لكن رؤيته تختلف عند من يشاهده أي يختلف أثره في الأجسام لذلك اختلفت الاستعدادات فالماء واحد و إنما يختلف بحسب طبيعة المجرى الذي يسري فيه

لذلك اختلف العارفون في ذواتهم ومقاماتهم…كما أن رؤية النور تحقيق لقوله تعالى : ( لقد جاءكم رسول من أنفسكم ) التوبة الآية 128…لذلك وجب تعظيمه غاية التعظيم لأنك لا تسلك إلى الله تعالى إلا في أسماء حبيبه صلى الله عليه وسلم وبقدر ما تجلت لك هذه الأسماء تقترب إلى حقيقة الإغتراف من معين نبوته ورسالته حتى تصل إلى خالقه…فيكون عشق المصطفى صلى الله عليه وسلم بنفسه وبالتالي تتصور نفس العاشق أنها ذات المحبوب و أن إدراكها لمحبوبها هو إدراكها لنفسها…ووجب ترك الأنفس الكثيرة ، النفس التي تحب المال و الجاه والرئاسة…الخ

والعاشق لا يلتجئ إلى الحق فقط عندما يشتد عليه البلاء أو عندما يريد أن يقضي حاجة دنيوية ولكن العاشق هو الذي يكون حال العشق دائما متجليا في تصرفاته وتحركاته وكلامه فإذا تحرك اللسان تحرك مطابقا لكلام معشوقه صلى الله عليه وسلم ولو لم يكن يعرف ولو حديثا واحدا عنه فسيأتي بكلام لا يخرج عن شرعه الشريف

ولما كان الألف صاحب ثلاث واحدات ــ 111 ــ فيبقى السؤال أين هو الأصل بين الفرع فهنالك عجز اللسان وغرق في بحر الحيرة ولا يعرف الأصل إلا من كان ظل لحقيقة [إنَّ قلوبَ بني ءادم كُلَّها بين إصبعين من أصابع الرحمن كَقَلبٍ واحد] رواه مسلم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

إغلاق