دروس كتابية

حدود العقل من منظور فلسفي

يقول سيدي الشيخ مولاي محمد فوزي قدس الله سره:
قصرت الأفهام عن ذاتيتــــــه…..وعجزت الأوهام عن كيفيتـــه
يتضح لنا من خلال هذا البيت أن الموضوع الذي يتناوله هو عجز العقل وضعفه أمام الحقائق الإلــهية التي أرادها الحق عز وجل أن تكون حكرا على من اصطفاهم من رسله وأنبيائه وأوليائه. ولما كان الموضوع حدود العقل، فإنني قد اخترت أن يكون المجال الذي أتحدث فيه متخصصا في هذا الموضوع، وهو الفكر الفلسفي الذي يعد بحثا دائما عن الحقيقة من خلال التأمل العقلي الصرف، لذلك سوف أعتمد على الفيلسوف إيمانويل كانط الذي كرس قسطا وافيا من جهده ووقته لبحث ودراسة حدود المعرف الإنسانية.
تصور كانط لبنية العقل:
في وقوفه عند بنية العقل، رأى كانط بأنه يتوفر على ثلاث قدرات، وهي كالآتي:
ــ الحساسية البشرية: هي الوصل الذي يحدد العلاقة بين الإنسان وأشياء العالم الخارجي، تتوفر هذه القدرة على إطارين قبليين هما المكان والزمان
ــ ملكة الفهم: تعتمد هذه القدرة على اثني عشر مقولة قبلية، كالكيف والكم والجهة
ــ العقل الخالص: هو القدرة التي تمكن الإنسان من تأمل الحقائق الغيبية التيتندرج ضمن ما يسمى في الفلسفة الميتافيزيقا، أو ما وراء الطبيعة
من خلال هذا التقسيم، خلص كانط إلى أن المعرفة تعتمد في مرحلتها الأولى على استقبال الحدوس الحسية، أو المعطيات التجريبية، التي تنتظم وتترتب بإطاري الزمان والمكان، ثم يسلط الإنسان على هذه المعطيات المقولات أو الأطر العقلية، ومن خلال ذلك فلا يمكن أن نتحدث عن المعرفة إلا بتوفر هذين الشرطين التجربة والعقل
أما عندما يتعلق الأمر بالتأمل في الموضوعات التي لا تخضع لإطاري الزمان والمكان، الموضوعات التي لا تدخل تحت نطاق التجربة، فإننا بصدد الحديث عن العقل الخالص، وقد انتقد كانط العقل الخالص من خلال إقراره بعدم إمكانية توصل هذا العقل إلى معرفة حقيقية إزاء المواضيع الميتافيزيقية، فتسلسل الأسباب التي توجد الأشياء، لا يوصلنا تتبعها إلى خالق الأشياء، لأن الأمر هنا يتعلق بموضوع يفوق طاقة الإنسان العقلية
ولكي نعطي صورة واضحة حول عجز العقل، يكفي أن نذكر مثلا الأخطاء التي سقطت فيها الفرق المتكلمة والفلاسفة من بعدهم، لما أرادوا أن يتأملوا الحقائق الباطنية بالعقل، فمنهم من قال بقدم العالم، ومنهم من رأى بأن الله يعلم الكليات دون الجزئيات، وغير ذلك من الأخطاء.
من خلال كل ما سبق، نستطيع أن نخلص إلى أن طريق معرفة الله وأسراره عز وجل لا تدرك بالعقل، ولو كانت تدرك بالتأمل العقلي لكان الفلاسفة أول من اهتدى إلى سبيل الحق دون غيرهم، لكن الله عز وجل أراد أن يكون مكمن العلم هو القلب، فالحقائق القلبية تسير بصاحبها إلى الاطمئنان، وإن أصابته الدهشة أو اعترته الحيرة، فيكون ذلك في ما يكشف الله للقلب من الحقائق، لا إزاء المواضيع التافهة.
بقلم الفقير إدريس الرباطي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

إغلاق