تعطش الإنسان للحقيقة

جدلية الموت والحياة

جدلية الموت والحياة
بسم الله الرحمان الرحيم، الحمد لله الذي خلق الموت والحياة ليمتحن القلوب أيها أحسن عملا، وجعل في الموت سر الحياة فاختص بحقيقته عباده المخلصين، وجعل الحياة محطة عابرة يتشبث بها الغافلون، ويغتر بزخرفها وبزينتها المغرورون
وصلى الله وسلم على سيدنا محمد، النور الذي منه خلق كل شيء، وحلقة الوصل بين الشيء ومن ليس كمثله شيء، وعلى آله وصحبه وذريته ومن اهتدى بهديه وأدرك سر حقيقته ومقصد رسالته إلى يوم الدين
وبعد
قال الله تعالى في الآية الثانية من سورة الملك: “الذيِ خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمُ أَيُّكُمُ أَحْسَنُ عَمَلًا ۚ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ”، في إشارة منه عز وجل إلى أن الموت والحياة ابتلاء وامتحان للعبد، تقاس به قيمة الأعمال، وقد لا يختلف معنى الموت عند عامة الناس باعتباره فناء يعقب الحياة، لكن الحق عز وجل جعل الموت أسبق من الحياة في الآية الكريمة، فهل يمكن الحديث عن موت سابق للحياة؟
على الرغم مما قد يبدو من التعارض بين الموت والحياة، باعتبارهما ضدين لا يجتمعان، إلا أن كلا منهما يشترط الآخر، فلابد للموت أن يعقب الحياة، ولابد لمعرفة حقيقة الحياة أن تتضح حقيقة الموت، وإلا سيكون معنى الحياة فارغا ومحتواها أجوفا.
فقد جعل الله سر الحياة في الموت، وذلك باعتبار الحياة والموت يحملان عند أهل الله معنى يختلف عما اعتاده الناس، فحياة ما قبل الموت غفلة، هي بمثابة حلم يغوص فيه المرء دون أن يشعر بأنه حلم، ولنا في حالة النوم القصير الأمد خير نموذج للنوم الطويل الأمد، ففي النوم نغيب عن الواقع المحسوس بسبب تعطل الدماغ باعتباره محركا للحواس والمتحكم فيها، ونغوص في واقع متخيل، متمثل في الأحلام التي تنقلنا من مكان إلى آخر، ومن زمان إلى آخر، نخاف ونتألم ونحزن ونفرح ونتلذذ ونبكي ونضحك، دون أن يساورنا أدنى شك حيال هذا الوضع، فلا أحد ولا خاطر ولا إحساس يكذب حقيقة الحلم أثناء الغوص فيه، ولا ندرك بعدنا عن حقيقة الواقع سوى بعد الاستيقاظ.
كذلك الأمر تماما بالنسبة لهذا الاستيقاظ، فهو نوم في حد ذاته، نوم عميق طويل الأمد بالنسبة للزمان الذي يؤطر وجودنا، وقصير جدا بالنسبة للزمن المطلق، وأقصر بالنسبة للحق عز وجل حيث اللازمان. “قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ ﴿112﴾ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلْ الْعَادِّينَ ﴿113﴾” سورة المؤمنون. وفي هذا الصدد جاء قول مأثور ينسب إلى سيدنا علي كرم الله وجهه “الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا”. انطلاقا من هذا القول، يتضح أن الموت في هذا السياق يحتمل معنى آخر، يخالف تماما نظرتنا السطحية، فهو يحمل نفس معنى الحياة التي سبق أن مثلناها بالنوم، فهذا القول يعتبر الحياة نوم (موت)، والموت يقظة (حياة)، إذن فالموت حياة والحياة موت
إن الموت هو بداية الحياة، إنه طفرة تنقل صاحبها من الغفلة إلى اليقظة، من الوهم إلى الفهم، من الخيال إلى الحقيقة
فكما أن الموت الاضطراري كما يسميه سيدي الشيخ قدس الله سره يخص الجسد، باعتبار الروح تنتقل من عالم الفناء إلى عالم البقاء، كذلك الأمر تماما بالنسبة للموت الاختياري، الموت الذي تدركه قبل أن يدركك، الموت الذي تختاره عن طواعية لتتقي اختياره لك اضطراريا، إنه الفناء عن الجسد، ومحو الأنا، ونفي وجود الذات المزيفة، لاستشعار الذات الحقيقية والغوص في الحقيقة المطلقة التي لا يشوبها شك ولا تختلط بالحلم، الموت الذي يوقظك من السبات العميق، ويلقي بك في بحر التحقيق، لئلا تختلط عليك السبل فتضل الطريق.
آنذاك تتوق النفس إلى الموت الاضطراري، ليكتمل معنى الموت، فيصبح الجسد عبئا على الروح، يثقل كاهل العارف ويربطه بالزمان والمكان (ولو على سبيل التظاهر) ويكون الموت حرية مطلقة، والقبر ملاذا مريحا، وهي علامة على الصدق في طلب وجه الحق، حيث يقول عز وجل: “فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ” البقرة الآية 94
فاللهم افننا عنا وابقنا بك، وغيبنا عن أجسادنا وحواسنا وجهاتنا وزماننا ومكاننا حتى لا نرى ولا نسمع سواك، ورضّي اللهم عنا شيخنا وارزقنا منه نظرة تنصهر بها أنفسنا وتتبدد مظاهر غفلتنا. وصلي اللهم وسلم وبارك على من أرسلته رحمة للعالمين، وعلى آله وصحبه أجمعين.

 بقلم: الفقير الأستاذ إدريس الرباطي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

إغلاق