أقوال و حكم

تزكية النفس بنسيانها

حدثنا الحبيب النجيب اللبيب بحر المعارف ومعدن الأسرار شيخي وسيدي محمد فوزي الكركري رضي الله عنه وعنا به فقال

تزكية النفس بنسيانها

إن الحق جل جلاله خلق الإنسان في أحسن تقويم ونفخ فيه من روحه …وجعله خليفة في أرضه …وركب فيه النفس ليتذوق بها وفيها سر الأضداد
النفس، هذا المخلوق العجيب …جعلها الحق فينا ليبلونا أينا أحسن عملا…وهي في تصارع دائم مع الروح…بل فيها منازعة للربوبية….لذلك أمرنا الحق في كتابه العزيز في كثير من المواضع بتزكية النفس وعدم الركون لشهواتها كقوله تعالى “…ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها، قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها وقوله سبحانه  قد أفلح من تزكى
وقد ورد في الأثر” من عرف نفسه عرف ربه”…فلا سبيل لمعرفة الربوبية إلا من خلال النفس…فالربوبية متصفة بصفات الكمال…والنفس متصفة بصفات النقص..فمن عرف نقصها ذاق سر الربوبية وتخلق بأخلاق الرحمان
وفي هذه الحكمة المباركة يرشدنا شيخنا قدس الله سره …إلى كيفية تزكية النفس…وكعادته رضي الله عنه يعطيناعصارة تجربته…ليخفف عنا طول الطريق ومشقته…حتى لا يبقى المريد مشتتا بين طرق تزكية النفس المختلفة
ولقد نبهنا رضي الله عنه على أهم ركن من أركان تزكية النفس وأساليبها…كما جاء في الحديث عنه صلى الله عليه وسلم ” الحج عرفة ” وقوله صلى الله عليه وسلم ” الندم توبة “…فجعل أهم اركان الحج عرفة…وجعل الندم توبة رغم ان لها شروطا اخرى لكن الندم من أهم شروطها
فكذلك تزكية النفس نسيانها…ولقد اختصرت هذه الحكمة كل ما قيل في تزكية النفس…فمن عمل بها تزكت نفسه دون أن يتفرق عقله ومقصده في دهاليز النفس وخفياها
فالنفس لا ينبغي أن تعوق المريد عن مطلبه ومقصوده نحو الكمال الإلهي…والوسيلة الأسهل ليتحرر العبد من قيود النفس…هي نسيانها
قد يقول قائل كيف أنساها وهي معي دائما لا تفارقني؟ وما المراد بنسيانها؟
ليس المراد بنسيانها عدم تذكرها والشعور بها…فهذا لا يمكن أصلا…لانها جزء منك …إنما المراد من نسيانها والله أعلم…غض البصر عن محاسنها في إقبالها وإدبارها…وعدم الوقوف مع مساوئها…فكلى الأمرين عائق يسدل بينك وبين محبوبك الحجاب،
لأنك إذا نظرت إلى محاسن نفسك ولم ترى فضل الله عليك…يصيبك العجب والكبر والرياء وجميع صفاتك النارية ولا بد…ولن تسلم من قبضتها آنذاك إلا بنسيان جميع محاسنها فلا تنسب لنفسك حسنة واحدة فتهلك….إنسى علمك وعملك وجاهك وكل ما به تفخر بين أبناء جنسك…إنسى كل شيء وقف على باب الله…فقيرا ذليلا…فصفاتك الحسنة عارية أعارك الحق إياها…فمن الحمق ان تقف معها وهي ليست منك…وإن كان ولابد من التفاتك إليها ولم تستطع نسيانها …فانظر إلى مصدرها ومن هيأ لك أسباب الوصول إليها
أما وقوفك مع مساوئها…فأن تبقى منشغلا بذنوبك…تقول لن يغفر لي ربي…لن يسامحني ربي…ذنوبي كثيرة…حتى يصيبك اليأس والإحباط…فتخسر الدارين…إنسى ذنوبك وأقدم على ربك فمن أجلك سمى نفسه غفارا رحيما
تذكٌّر الذنوب يورث الإنكسار…ويشحذ الهمم للوصول إلى الحق جل جلاله…لكنه إن زاد عن حده يورث القنوط من رحمة الله…والكسل عن العمل…واعلم انك لو قدمت بملء الأرض خطايا…وأنت تعتقد أن الله غفور رحيم…فسيرحمك الله ويغفر ذنبك…فانسى ذنبك وابدأ بداية جديدة مع ربك…فتذكر الجفاء عند اللقاء من الجفاء كما قيل…كان يقول أحد الصالحين جاهدت نفسي في طلب الله فأبت… فتركتها وذهبت إلى الله
فمن أجل هذا كانت تزكية النفس بنسيانها…نسيان المحاسن…ونسيان المساوئ…حققنا الله وإياكم بحقائق الإخلاص…. ورفعنا وإياكم لأعلى مراقي الإختصاص…ورضي الله عن شيخنا وحبيبنا سيدي محمد فوزي الكركري رضاءا لا ينقطع كما رضيت على حبيبك صلى الله عليه وسلم تسليما…آمين

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.