دروس كتابية

باب التوبة

بسم الله الرحمن الرحيم

بــــــــاب التـــــــوبة

 

بدأت الكتابة متكلا على الله الأحد لأوضح للتائب كيف يسير من الحسن إلى الأحسن فيقطع جميع ما نهى إليه عنه، ويتبع جميع ما أمره الله بإتباعه، ثم أردت أن أزوده بمعلومات يحصن بها نفسه من الانزلاق في الترهات و المهالك، فيخسر حياته الدنيوية و الأخروية، فيقترب من كل ما هو صالح، ويبتعد عن كل ما هو فاسد، وهكذا دواليك، فمن لم يسمع كلاما يهديه إلى الحق فهو في الضلالة ما دام يفر من الحكم الإلاهي. قال أبو القاسم الجنيد رحمه الله: ولكل ذنب عقوبة إلا أن يعفو الله، والعقوبة ليست على قدر الذنب، ولا من حيث يعلم العبد، لكنها على تقدير المشيئة وعن سابق علم الربوبية، فربما كانت في قلب وهي من أمراض القلوب، وربما كانت في الجسد وقد تكون في الأموال والأهل، وتكون في سقوط الجاه والمنزلة من عيون علماء الإسلام و المومنين، وقد تكون مؤجلة في الآخرة وهذه أعظم العقوبات، وهي لأهل الكبائر من الموبقات الذين ماتوا من غير توبة، ولأهل الإصرار والعزة والاستكبار، لأنها إذا كانت في الدنيا كانت يسيرة على قدر الدنيا؛ فإذا تأخرت كانت عظيمة على قدر الآخرة. وإذا أراد الله بعبد خيرا عجل له عقوبة ذنبه، وإذا أراد به شرا أخره حتى يوافي به الآخرة. واعلم أن الغم على ما يفوت من الدنيا والهم بالحرص عليها من العقوبات والفرح والسرور، وربما نال من الدنيا مع ما لا يبالي ما خرج من دينه من العقوبات، وقد تكون دوام العوافي وإتباع الغنى من عقوبات الذنوب إذا كانا سببين إلى المعاصي، وقد تكون عقوبة الذنب ذنبا مثله أو أعظم منه، كما يكون مثوبة الطاعة طاعة مثلها، أو أفضل منها. وفي أحد الوجوه من معنى قوله تعالى :” وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون” قال الغنى و العافية كما يقول الفقر والسقم برحمة من الله تعالى إذا كانا سببا لرحمة من الله و إذا كانا سببا للمعصية فهما أمهات المعاصي. واعلم أن الحلم لا يرفع العقوبة ولكن يؤخرها ومن شأن الحليم أن لا يعجل بالعقوبة، وقد يعاقب بعد حين، وفي معنى ذلك قوله تعالى” فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء” أي الرخص والرغد حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة قيل: بعد ستين سنة، وفي الخبر: من الذنوب ذنوبا لا يكفرها إلا الهم بطلب المعيشة. وفي لفظ آخر لا يكفرها إلا الهموم والأحزان و الاهتمام بالمباحات من حاجات الدنيا، للفقراء كفارات وهو على ما يفوت من قربات الآخرة للمومنين درجات، وهو على كل حب الدنيا والجمع منها والحرص عقوبات

وقال بعض السلف كفى به ذنبا، لا يستغفر منه، حب الدنيا. وقال آخر لو لم يكن للعبد من الذنوب إلا أن يقيم بمصائب الدنيا بما لا يقيم بما لا يفوته فيها من نصيب الآخرة والتزود لها. وفي حديث عائشة رضي الله عنها: إذا كثرت ذنوب العبد ولم يكن له من الأعمال ما يكفرها أدخل الله عليه الهموم والغموم فتكون كفارة لذنوبه. ويقال إن الهم الذي يعرض للقلب في وقت لا يعرف العبد بسبب ذلك فهو كفارات الهم بالخطايا، ويقال: هو حزن العقل عند ذكره الوقوف والمحاسبة لأجل جنايات الجسد فيلزم العقل ذلك الهم فيظهرعلى العبد منه كأنه لا يعرف سبب غمه. ومن أخبار يعقوب عليه السلام: إن الله تعالى أوحى إليه لولا ما سبق لك في علمي من عنايتي بك لجعلت نفسي عندك أبخل الباخلين لكثرة تردادك إلي سؤالك لي وتأخيري إجابتك ولكن من عنايتي بك أن جعلت نفسي في قلبك، إني أرحم الراحمين وأحكم الحاكمين، وقد سبق لك عندي منزلة لم تكن تنالها بشيء من عملك، لا يحزنك على يوسف فأردت أن أبلغك تلك المنزلة وكذلك ما روى عن جبريل عليه السلام لما دخل على يوسف عليه السلام في السجن قال له: كيف تركت الشيخ الكئيب؟ قال: قد حزن عليك حزن مائة

ثكلى؛ قال: فماذا له عند الله تعالى؟ قال: أجر شهيد. وفي الخبر عن السلف ما من عبد يعصي إلا استأذن مكانه من الأرض أن يخسف به، و استأذن سقفه في السماء أن يسقط عليه كسفا، فيقول الله عز وجل للأرض والسماء كفا عن عبدي و أمهلاه فإنكما لم تخلقاه، ولو خلقتماه لرحمتماه لعله يتوب إلي فأغفر له لعله يستبدل صالحا فأبدله حسنات، فذلك معنى قوله تعالى :”إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا “.أي من معاصي العباد ولئن زالتا إن يمسكهما من أحد من بعده، إنه كان حليما أي عن معاصيهم غفورا لمساويهم. وقيل في تفسير ذلك إن الله عز وجل إذا نظر إلى معاصي العباد غضب فترجف الأرض وتضطرب السماء فتنزل ملائكة السماء فتمسك أطراف الأرضين، و تصعد ملائكة الأرضين فتمسك أطراف السماوات، ولا يزالون يقرءون (قل هو الله أحد حتى يسكن غضبه سبحانه وتعالى فذلك، قوله تعالى : إن الله يمسك السموات . الآية

قال بعض العلماء : إذا ضرب الناقوس في الأرض و دعا بدعوة الجاهلية اشتد غضب الرب سبحانه و تعالى، فإذا نظر إلى صبيان المكاتب، و رأى عمـار المساجد. وقيل : إذا نظر المتحابيـن في الله أو المتزاورين له وسمع أصوات المؤذنين حلم و غفر، فذلك قوله تعالى ” إنه كان حليما غفورا” فإذا اتبع الذنب بالذنب ولم يجعل بين الذنبين توبة خيف عليه الهلكة لأن هذا حال المصر و لأنه قد شرد عن مولاه بترك رجوعه إليه، و دوام مقامه مع النفس على هواه، وهذا مقـــام المقت في البعد. و أفضل ما يعمله العبد قطع شهوات النفس أحلى ما يكون عنده الهوى، أوليس لشهواتها آخر، ينتظر كما ليس لبدايتها أول فـإن لم يقطع ذلك لم يكن له نهـــاية فإن شغل بما يستأنف من مزيد الطاعة ووجد حلاوة العبــــــادة و إلا أخذ نفسه بالصبر و المجاهدة فهذا طريق الصادقين من المؤمنين و قيل في قوله تعالى:” استعينوا بالله و اصبروا” أي استعينوا به على الطاعة و اصبروا على المجاهدة في المعصية و قال علي كرم الله وجهه: أعمال البر كلها إلى جنب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كتفلة إلى جانب البحر، و الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر إلى جنب الجهاد في سبيل الله كتفلة في جنب بحر، والجهاد في سبيل الله إلى جنب مجاهدة النفس عن هواها في اجتناب النهي كتفلة في جنب بحر لجي، وعلى هذا معنى الخبر الوارد رجعتم من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر مجاهدة النفس. وكان سهل بن عبد الله يقول:” الصبر تصديق الصــــــدق و أفضل منازل الطاعة الصبر على معصية ثم الصبر على الطاعة و روى في الخبـــــــران “رجلا تزوج امرأة في بلدة وأرسل عبده يحملها إليه فراودته نفسه و طالبته بها فجـــــاهدها و استعصم بالله قال فنبأه الله تعالى، فكان نبيا في بني إسرائيل، وفي بعض قصص موسى عليه السلام، أنه قال للخضر عليه السلام بأي شيء أطلعك الله تعالى على علم الغيب فقال: بترك المعاصي لأجل الله تعالى فالجزاء من الله تعالى يجعله غاية العطاء لا على قدر العمل، لكن إذا عمل له عبد شيئا لأجله أعطاه الله أجره بغير حساب، ثم أنه لا يتخذ التائب عادة من ذنب فيعتذر بها توبته فإن العادة حينئذ من جنود الله تعالى لولاها لكان الناس كلهـم تائبيـــن، و لولا الابتلاء لكان التائبون مستقدمين، ثم أن يعمل في قطع معتاد، إن كان يصبر على مجاهدة النفس في هوى إن بلي به، فهذه الخصال من أفضل أعمال المتقين وأزكاها ومعها تلهم النفس المطمئنة رشدها و تقواها و بها تخرج من وصف الأمارة بالسوء إلى وصف المطمئنة إلى أخلاق الإيمان و هذا أحد المعاني في الخبر الذي روي : أفضل الأعمال ما أكرهتم عليه النفوس، لأن النفس تكره خلاف الهوى، والهوى هو ضد الحق، و الله تعالى يحب الحق. فصار جبار النفس على خلاف الهوى و على وفاق الحق؛ لأن محبة الحق من أفضل الأعمال. كما قال تعالى:” والوزن يومئذ الحق” الآية. و استثنى من أهل الخسر الذين تواصوا بالحق وتواصوا بالصبر و هذا أول اليقين، و حدثت عن بعض أهل الاعتبار، أنه

كان يمشي في الوحل فكان يتقي و يشمر ثيابه عن ساقيه و يمشي في جوانب الطريق إلى أن زلقت رجليه في وسط الوحل فأدخل رجليه في وسط الوحل و جعل يمشي في المحجة، قال فبكى فقيل ما يبكيك؟ فقال: هذا مثل العبد ما زال يتوقى الذنوب و يجانبها حتى يقع في ذنب منها أو ذنبين فعندها يخوض الذنوب خوضا و على العبد أن يتوب من الغفلة التي هي كائنة، فإذا هذا لم تنقطع أبدا توبته. و قد جعل الله تعالى أهل الغفلة في الدنيا هم أهل الخسران في العقبى. فقال عز من قائل”و أولئك هم الغافلون لا جرم أنهم في الآخرة هم الخاسرون” و لكن غفلة دون غفلة، و خسران دون خسران، و لا تستحقرن الغفلة فإنها أول المعاصي و هي عند الموقنين أصل الكبائر؛ و قد جعل علي كرم الله وجهه الغفلة إحدى مقامات الكفر و قرنها بالعمى و الشك و أمال صاحبها عن الرشد و وصفها بالحسرة؛ فقال في الحديث الذي يروى عن طريق أهل البيت، فقام عمار بن ياسر فقال: يا أمير المومنين أخبرنا عن الكفر على ما بني؟ فقال: على أربع دعائم على الجفاء و العمي و الغفلة و الشك، فمن جفا احتقر الحــــــق و جهر بالباطل و مقت العلماء؛ و من عمي نسي الذكر، ومن غفل حاد عن الرشد و غره الأماني فأخذته الحسرة و الندامة و بدا له من الله ما لم يكن يحتسب؛ و من شك تاه في الضلالة. و قال بعض العلماء: من صدق في ترك شهوة و جاهد نفسه لله تعالى سبع مرات لم يبتل بها. و قال آخر: من تاب عن ذنب و استقام سبع سنين لم يرجع إليه أبدا. و قال بعض العلماء: كفارة الذنب المعتاد أن تقدر عليه عدد ما أتيته ثم لا تقع فيه، فيكون كل ترك كفارة لفعل و هذا حال الأقوياء من التوابين و ليس هو طريق الضعفاء من المريدين، فليعمل العبد على الابتعاد من الذنوب، و في الحديث :” كل بني آدم خطاء و خير الخطائين المستغفرون ” و قد وصف الله تعالى المومنين بترك متابعة الذنوب و ترادف السيئة بالحسنة في قوله تعالى:” أولئك يوتون أجرهم مرتين بما صبروا و يدرءون بالحسنة السيئة ” و قد جعل هذا من وصف العاملين الذين صبروا، فقال تعالى” أولئك يوتون أجرهم مرتين بمـــــــا صبروا و يدرءون بالحسنة السيئة” فجعل الله تعالى لهم صبرين عن الذنب وعلى التوبة فآتاهم به أجرين و قد اشترط الله تعالى على التائبين من المومنين ثلاث شرائط و شرط على التائبين من المنافقين أربعة، لأنهم اعتلوا بالخلق في الأعمال، فأشركوهم بالخالق في الإخلاص، فزاد عليهم الشرط تشديد الشدة دخولهم في المقت، و اعتل غيرهم بوصفه فخفف عنهم شرطين فقال عز و جل :” إلا الذين تابوا و أصلحوا و بينوا ” قوله تعالى تابوا أي رجعوا إلي من أهوائهم و أصلحوا أي ما أفسدوا بنفوسهـم، و بينوا فيها وجهان أحدهما بينوا ما كانوا كتموا من الحق و أخفوا من حقيقة العلــم و هذا لمن عصى بكتم العلــم و لبس الحق بالباطل. و قيل بينوا توبتهم حتى تبين ذلك فيهم، فظهرت أحكام التوبة عليهم. و قال في الشرطين الآخرين المنافقين في الدرك الأسفل من النــــــار و لن تجد لهم نصيرا إلا الــذين تابـــوا و أصلحــوا و اعتصموا بالله و أخلصوا دينهم لله” و كانوا يعتصمون بالناس و بالأموال، و كانوا يراءون بالأعمال، فلذلك اشترط عليهم الاعتصــام بالله و الإخلاص لله عـز و جل فينبغي أن تكون توبة كل عبد عن ضد معاصيه قليلا بقليل أو كثيرا بكثير و يكون التائب على ضد ما كان أفسد ليكون كما قال الله تعالى ” إنا لا نضيع أجر المصلحين ” و لا يكون العبد تائبا، حتى يكون مصلحا و لا يكون مصلحا حتى يكون يعمل الصالحات ثم يدخل في الصالحين، و قد قال الله تعالى:” و هو يتولى الصالحين ” و هذا وصف للتواب، و هو المتحقــق بالتــــــــوبة و الحبيب لله تعالــى، كمـا قـال تعالــى ” إن الله يحب التوابيـــن” أي يتولــى الراجعيــن إليه عن أهوائـهم و المتطهرين له من المكاره، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ” التائب حبيب الله ” و سئل أبو محمد سهل متى يكون العبد التائب حبيب الله تعالى؟ فقال: حتى يكون كما قال الله تعالى:” التائبون العابدون الآية ” ثم قال الحبيب لا يدخل في شيء لا يحبه

الحبيب، و قال لا تصح التوبة حتى يتوب من الحسنات و قد قال غيره من العارفين : العامة يتوبون من سيئاتــهم و الصوفية يتوبون من حسناتــهم يعني من تقصيرهم في أدائها العظيم ما يشهدون من حق الملك العزيــز سبحانه و تعالى المقابل بها و من نظرهم إليها أو نظرهم إلى نفوسهم بها و هي منة الله تعالى إليهم واصلة . و كان سهل يقول : التوبة من أفضل الأعمال لأن الأعمال لا تصح إلا بها، و لا تصح التوبة إلا بترك كثير من الحلال مخافة أن يخرجهم إلى غيره. و الاستغفار قوت التوابين و مفزع الخطائين. قال الله تعالى و هو أصدق القائلين: ” استغفروا ربكم ثم توبوا إليه ” و قال تعالى:”و الذين يتوبون إلى الله و يستغفرونه الاستغفار مع الذنب سؤال من الستر و مغفرة الله تعالى لعبده في حال ذنبه ستره عليه و حلمه عنه. و يقال ما من ذنب ستره الله تعالى على عبده في الدنيا إلا غفر له من الآخرة. إن الله تعالى أكرم أن يكشف ذنبا كان قد ستره و من ذنب كشفه الله في الدنيا إلا جعل ذلك عقوبة عبده في الآخرة فالله أكرم من يثني عقوبته على عبده، و روي عن علي (ض) و ابن عباس نحو ذلك وقد أسنداه من طريق الاستغفار بعد التوبة و هو سؤال العبد مولاه العفو عن المؤاخذة و مغفرة الله تعالى لعبده بعد التوبة و هو سؤال العبد بعد التوبة تكفيره لسيئــاته و تجاوزه عنها بالعفو الكريم، و هو تبديل السيئات حسنات، كما جاء في الخبر أن تفسير قول العبد: يا كريم العفو قال هو أن عفا برحمته عن السيئات، ثم بدلها بكرمه حسنات و قد أحكم الله تعالى ذلك بقوله :” فاستقيموا لله و استغفروه ” بعد قوله تعالى :”إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة أن لا تخافوا و لا تحزنوا ” أي وحدوا الله تعالى ثم استقاموا على التوحيد، فلم يشركوا و قيل: استقاموا على السنة فلم يحدثوا، و قيل: استقاموا على التوبة فلم يروغوا معها أن لا تخافوا عقــاب الذنوب، فقد كفرهـا عنهم بالتوحيد، و لا تحزنوا على ما فــاتكم من الأعمال، فقد تداركها الله تعالى بالتوبة. و بلغكم منازل المحسنين بالاستقامة، ثم قال تعالى ” و أبشروا بالجنة التي كنتم توعدون” في السابق نحن أولياؤكم أي نليكم و نقرب منكم في الحياة الدنيا و في الآخرة بالتثبيت لكم على الإيمان و لكم فيها ما تشتهي أنفسكم أي أجسامكم من النعيم المقيم و لكم فيها ما تدعون أي ما تتمنون بقلوبكم من النظر إلى الملك الرحيم.

التائب من الذنب كمن لا ذنب له، و المستغفر من الذنب و هو مصر عليه كالمستهزئ بآيات الله تعالى. و كان بعضهم يقول استغفر الله من قولــي، و أستغفر الله باللسان عن غير توبـــة و ندم بالقلب. و في الخبر الاستغفار باللسان من غير توبة و ندم بالقلب توبة الكذابيـــــــــن، و كانت رابعة تقول: استغفارنا هذا يحتاج إلى توبة في تصحيحها و الإخلاص من النظر إليهما و السكون و الإذلال بها فمن عقب السيئات بحسنات و خلط الصالحات بالطالحات طمع في النجاة و رجى له الاستقامة قبل الوفاة . قال الله تعالى :” خلطوا عملا صالحا و آخر سيئا عسى الله أن يتوب عليهم”؛ أي يعطف عليهم وينظر إليهم. و قيل خلطوا عملا صالحا هو الاعتراف بالذنوب و التوبة المستأنفة و آخر سيأتيكما سلف من الغفلة و الجهالة؛ و قد كان بن عباس يقول: غفور لمن تاب، رحيم حيث رخص في التوبة. و قد قــال الله تعالى :” و إني لغفار لمن تاب ” أي من الشرك و آمــــن بــالتـوحيـد و عمل صالحـا: أدى الفـرائـض و اجتنب المحارم ثم اهتدى: كان على السنة. و قيل: استقام على التوبة، فهذه صفات المؤمنين، فلم يرد الله تعالى المخلصين إلى ما رد إليه المنافقين و هو التوبة و كذلك رد إليها المشركين إذ لا طريق للكل إلا منها و لا وصول إلى المحبة و الرضا إلا بها؛ و قال تعالى في وصف المنافقين و آخرون مرجون لأمر الله إما يعذبهم أي مع الإصرار و إما يتوب عليهم أي بالاستغفار و أحكم ذلك و فصله بما شرطه كما قال في شأن الكافرين ؛  فإن تابــوا و أقاموا الصلاة و آتوا الزكاة فخلوا سبيلــهم  و قد قرن الله تعالـى الاستغفار للعبارة

ببقــاء الرسول صلى عليه و سلم في الأمة و رفع العذاب عنهــم بوجـــوده فضلا منه و نعمة و قال تعالى :” و ما كان الله ليعذبهم و أنت فيهم و ما كان معذبهم و هم يستغفرون ” و كان بعض السلف يقول: كان لنا أمانان: ذهب أحدهما و بقي الآخر هلكنا يعني الرسول صلى الله عليه و سلم و الذي بقي الاستغفار. و سئل سهل رحمه الله عن الاستغفار الذي يكفر الذنوب فقال: أول الاستغفار الاستجابة ثم الإنابة ثم التوبة، فالاستجابة أعمال الجوارح و الإنابة أعمال القلوب، و التوبة إقباله على مولاه و ترك الخلق، ثم يستغفر من تقصيره الذي هو فيه و من الجهل بالنعمة، و ترك الشرك، فعند ذلك يغفر له و يكون عند مأواه، ثم ينتقل إلى الانفراد، ثم الثبات ثم البيان ثم القرب ثم المعرفة ثم المناجاة ثم المصافاة ثم المولاة ثم محادثة السر و هو الخلة و لا يستقر هذا في قلب عبد حتى يكون العلـــم غـذاءه و الذكـر قوامـــــــه، و الرضا زاده، و التفويض مراده و التوكل صاحبه، ثم ينظر الله تعالى إليه فيرفعه إلى العرش فيكون مقامه مقام حملة العرش؛ و كان يقول: العبد لا بد له من مولاه على كل حال، و أحسن حاله أن يرجع إليه في كل شيء إذا عصى يقول يا رب استر علي فإذا فرغ من المعصية قال يا رب تب علي، فإذا تاب قال يا رب ارزقني العصمة، فإذا عمل قال يا رب تقبل مني، و من أحسن ما يتعقب الذنب من الأعمال بعد التوبة و حل الإصرار بما يرجى به كفارة الخطيئة ثمانية أعمال أربعة من أعمال الجوارح و أربعة من أعمال القلوب، فأعمال الجوارح أن يصلي العبد ركعتين ثم يستغفر سبعين مرة و يقول: سبحان الله العظيم و بحمده مائة مرة، ثم يتصدق و يصوم يوما. وأعمال القلـوب هي اعتقاد التوبة منه و حب الإقلاع عنه و خوف العقـاب عليه و رجـاء المغفرة له ثم يحتسب على الله حسن ظنه، و صدق يقينه، و كفارة ذنبه، فهذه الأعمال قد وردت بها الآثار، إنها المكفرة للزلل و العثار؛ و قد يشترط في بعضها فيتوضأ و يسبغ الوضوء ويدخل المسجد و يصلي ركعتين. و في بعض الأخبار فيصلي أربع ركعات قال و يقال: إذا أذنب العبد أمر صاحب اليمين صاحب الشمال و هو أمير عليه أن يرفع القلم عنه ست ساعات فإن تاب و استغفر لم يكتبها عليه، و إن لم يستغفر كتبها، و يقال صدقة الليل تكفر ذنوب النهار وصدقة السر تكفر ذنوب الليل و في بعض الأخبار إذا عملت سيئة فأتبعها حسنة تكفرها، السر بالسر و العلانية بالعلانية، و في أخبار متفرقة جمعناها ما من يوم طلع فجره و لا ليلة غاب شفقها إلا و ملكان يتجاوبان بأربعة أصوات يقول أحدهما: يا ليت هذا الخلق لم يخلقوا. و يقول الآخر: و يا ليتهم إذ خلقوا علموا لماذا خلقوا، فيقول الآخر: يا ليتهم إذ علموا لماذا خلقوا عملوا بما علموا. و في بعضها تجالسوا فتذاكروا ما عملوا و يقول آخر يا ليتهم إذ لم يعلموا بما عملوا تابوا مما عملوا فأول ما يجب لله عز و جل على عبده، أن لا يعصيه بنعمة لا تكـــون معصية كفـــرانـــا لنعمتــه، و جوارح العبد و ما له من نعم الله تعالى عليه، لأن قوام الإنسان بجوارحه و ثبات جوارحه بالحركة و منافع الحركة بالعافية، فإذا عصاه بالنعمة فقد بدلها كفرا. كما قال تعالى: ” بدلوا نعمة الله كفرا” قيل: استعانوا بها على معاصيه، ثم توعد على التبديل بالعقاب الشديد فقال : و من بدل نعمة الله من بعدما جاءته فإن الله شديد العقاب فقد يكون العقاب على تبديل النعمة بالمعصية معجلا في الدنيا، و يكون مؤجلا في الآخرة و قد يكون في أسباب الدنيا، و قد يكون في حرمان أسباب الآخرة، لأنه مآله و مثواه و قد يكون فيها معا

اللهم اعصمنا من الزلل و الخطايا، و ارزقنا توبة نصوحا، قبل فجأة المنايا، و انفعنا ببركة الصالحين، و احشرنا تحت أقدام المتقين .

بقلم الفقير أحمد الهبري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق