تعطش الإنسان للحقيقة

الفلاسفة الثلاثة الكبار… سقراط، أفلاطون، وأرسطو

الفيلسوف سقراط 469 ق م /399 ق م
  يلقب سقراط بأب الفلاسفة، لأنه حول التفكير الإنساني من موضوع الطبيعة، والبحث في أصل الكون والمادة التي بها وُجد، إلى البحث في الإنسان، فكان شعاره “اعرف نفسك بنفسك”. وقد عرف سقراط في حياته بالزهد، فكان يمشي حافي القدمين، يدرس بدون مقابل، لا يهتم بأسرته ولا بلقمة عيشه، إذا قدم له أحد تلامذته لقمة يأكلها، وإذا لم يفعلوا ذلك بقي جائعا، فكان يبحث عن الحقيقة من أجل الحقيقة، حتى أطلق على نفسه فيلسوفا، وهي أول مرة يظهر فيها هذا الإسم، والفلسفة في اللغة اليونانية philosophia مركبة من لفظين: philia التي تعني المحبة، و sophia التي تعني الحكمة، فهي إذن محبة الحكمة. وقد كان سقراط دائما يتظاهر بالجهل، بل إنه قد قال في عبارة مأثورة: “كل ما أعرف أنني لا أعرف شيئا”، مبرزا بذلك أن ادعاء المعرفة هو عين الجهل
   كان سقراط يرى أن الإنسان روح وعقل، يسيطر على الجسد الحسي ويدبره، فالعقل يحتوي على قوانين عادلة وضعها الإله في قلوب البشر، بالتالي فمن يحترم القوانين العادلة يحترم في نفس الوقت العقل، والنظام الإلهي، لكن هناك من تخول له نفسه مخالفة هذه القوانين، لأنه لا يرى جزاء في هذه الدنيا، لكن سيناله الجزاء في الحياة المقبلة
  لقد كان سقراط يواجه أفكار السفسطائيين، والسفسطائيون هم طائفة كان روادها خبراء في فن الإقناع، يتلاعبون باللغة، يستطيعون إقناعك بالفكرة وبنقيضها في نفس الوقت، فقد كان هؤلاء يقولون إن الإنسان شرير بطبعه، لكنه يتصنع الخير، لكن سقراط يرى عكس ذلك، إن الإنسان حسبه خيِّر بطبعه، فمن عرف جوهره وعرف خيره سيسعى للخير طبعا، أما الشهواني، الذي يسعى فقط إلى تلبية شهواته، فهو إنسان جهل نفسه، فتعمد ارتكاب الشر. يقول سقراط في هذا الصدد قولا مشهورا له: الفضيلة علم، والرذيلة جهل
   هذا وقد كان في وسط بيئة يتعبد أصحابها للآلهة بتقديم القرابين (الهدايا التي تقدم للآلهة للتقرب منها ونيل رضاها)، فرفض ذلك، واعتبر أن الدين هو تصفية الضمير (النفس) للعدالة الإلهية، وليس تقديم القرابين وكثرة الصلواة، مع تلطيخ النفس بالآثام. وكان يرى أن النفس ليست من طبيعة الجسد، فلا تفسد بفساده، فالجسد هو سجن النفس، بالتالي يكون الموت محررا لها، لتعود إلى صفاء طبيعتها.
   وهنا يمكن أن نذكر شدة إيمان سقراط بأفكاره هذه، من خلال النهاية التي لقيها، فقد حكم عليه بالإعدام، لأنه كفر بآلهة أثينا من جهة، ورفض النظام السياسي من جهة ثانية، لكن تلامذته أوجدوا له طريقة للهروب من السجن، فرفض ذلك، ولما حانت ساعة إعدامه، رأى من كان حوله من تلامذة وزوجة وأصدقاء يبكون، فنهاهم عن ذلك، وذكرّهم بأن الموت هو تحرر النفس من الجسد، وبالتالي هو بداية حياة أبدية أفضل من الحياة الأولى، فتجرع السم بكل شجاعة
  أخيرا قبل أن أختم، لابد من التذكير أن سقراط لم يكن يعرف القراءة ولا الكتابة، لكنه استطاع أن يواجه أعلم علماء عصره، وهم السفسطائيين الذين كانوا يلقبون بالمعلمين
  الفيلسوف أفلاطون 427 ق م /348 ق م
    أفلاطون هو تلميذ سقراط الوفي، إذ يعود له الفضل في إيصال أفكار سقراط، وإلا فسقراط كما ذكرنا لم يكتب شيئا، سوف نركز على بعض من أهم أفكاره، والتي تندرج طبعا ضمن الهدف الذي حددناه لهذه الدروس
   إن أبرز ما يمكن الوقوف عنده في فلسفة أفلاطون هو نظرية المثل، يرى فيها أفلاطون أن هناك نمطين من الوجود، وجود المحسوسات، التي تنتمي إلى العالم السفلي الذي نعيش فيه، وعالم المعقولات، أو عالم المثل، وبناء على ذلك، فلكل شيء في العالم السفلي مثال في العالم العلوي، أي أن ما يوجد في هاذ العالم هو نسخة فقط للعالم الحقيقي، وهو عالم المثل، فالنفس تدرك هذا العالم المعقول اعتمادا على العقل الخالص، لأن هذا العالم هو عالم الماهيات (الجوهر)، وهي بريئة من الكون والفساد (عالم الحسوسات)، لنقدم مثالا حتى يتضح المعنى، مثلا الجمال، ما نراه نحن من أشياء نصفها بالجميلة هي ليست كذلك في ذاتها، فالجمال في ذاته يوجد في عالم المثل، أي أن هناك الجمال بالذات، وهناك نسخته الباهتة الغير حقيقية، وهي التي نراها، وكذلك الأمر بالنسبة للخير والكبر والصغر وكل شيء، فالمثال هو الشيء بالذات، والجسم هو شبحه. لكن السؤال هنا الذي سنطرحه على أفلاطون هو: إذا كان العالم المعقول مفارقا، أي لا ينتمي إلى العالم المحسوس، فكيف نعرفه؟
  يجيب أفلاطون عن هذا السؤال من خلال اعتباره أن النفس كانت قبل أن تتصل بالبدن في حياة قبل هذه الحياة، كانت بجانب الآلهة، تنظر إلى العالم العلوي، وهناك تعرفت على الحقيقة، فكانت تشاهد موجودات ليس لها شكل ولا لون، فارتكبت إثما فنزلت إلى البدن، بالتالي فهي تتذكر الحقيقة عندما تنبهها المحسوسات، وهنا لأفلاطون قولا مشهورا: “المعرفة تذكر، والجهل نسيان”، أي أن الحقيقة توجد أصلا في النفس، ليس علينا سوى أن نتأملها. ولكي يشرح أفلاطون هذه الأفكار، اعتمد على ما أطلق عليه أسطورة الكهف، مفادها
  وإذا وضع مجموعة من الأشخاص في كهف منذ ولادتهم، وأوثقوا بسلاسل تمنعهم من الحركة والمشي، بل حتى من الالتفات إلى الخلف، فيرون أمامهم على الجدار ضوء نار، وظل لأشخاص وأشياء تتحرك وراءهم، بما أنهم لا يرون سوى هذه الأشباح، فإنهم يتوهمون أن الحقيقة تنتهي عندها، فإذا استطاع أحدهم أن يتحرر من القيود، واستدار سيرى الأشباح وينبهر بالنار، ويتحسر على الظلام الذي كان فيه، لكنه لن يستطيع النظر إلى الأشياء دفعة واحدة، بل سينظر إليها في ضوء الليل الباهت، ثم سينظر إليها وهي منعكسة على الماء، بعد ذلك سيستطيع أن يراها في ضوء النهار، ثم بعد ذلك سينظر إلى الشمس بوصفها مصدر النور
  فالفيلسوف هو الذي يستطيع أن يتجاوز النظر إلى الأشباح، ويتعلق بأصلها، فيتعلق بالجمال في ذاته، والخير في ذاته
  أما في برهنته على وجود الله، فقد اعتمد افلاطون على أدلة سيعتمدها فيما بعد مجموعة من العلماء، لكن مع فارق طبعا يعود إلى طبيعة المرحلة التي عاش فيها أفلاطون، والتي لم يتم خلالها التوصل إلى الحقائق العلمية، فهو يرى أن النظام الذي يخضع له الكون يدل على وجود صانع لهذا النظام، فيرى بأن هناك سبعة أنواع من الحركة، من اليمين إلى اليسار، ومن اليسار إلى اليمين …، وحركة العالم دائرية لا يستطيع أن يخلقها العالم بذاته، بل إن علتها الله
   ومن جهة أخرى فالعالم كأنه لوحة فنية غاية في الجمال، لا يمكن أن يكون إلا من صنع عقل كامل أراد أن يخلقه عن قصد، وهنا يمكن أن نعود إلى دليل آخر كنا قد أوردناه في نظرية المثل، وهو الجمال، فجمال الكون هو نسخة من الجمال المطلق، والجمال المطلق هو علة ميل الإرادة الإنسانية إلى المطلق، فيقول أفلاطون في محاورة المأدبة :”إنه (الجمال المطلق) الغاية القصوى للعقل في جدله، لا يوصف، أي لا يضاف إليه أي محمول لأنه غير مشارك في شيء، ولكنه هو هو”. هنا يمكن أن نقول إننا نلحق الجمال كصفة بالأشياء، لكن لا يعني ذلك أننا نستطيع وصف الجمال في ذاته، سنضع سؤالين يشرحان هذه الفكرة، 1) هل هذه الوردة جميلة؟ 2) ما الجمال؟ في السؤال الأول قد تكون الإجابة بنعم أو لا، وذلك يختلف حسب الأذواق والتصورات والرغبات، مما يدل على أن الجمال غير كامن في الوردة ذاتها، بل هو صفة نلحقها بها، أما الجواب عن السؤال الثاني، فهو مقصد أفلاطون، وهو الذي لا يمكن أن نضيف إليه صفة لنصفه، ونقرب ماهيته من الأذهان، كونه كما عبر عن ذلك هو هو
    كما يقف أيضا عند مفهوم الخير المطلق، سوف نورده بلسانه كما ورد في محاورة الجمهورية، إذ يقول:”في أقصى حدود العالم المعقول (هو عالم المُثل الذي قدمناه سابقا) يقوم مثال الخير، هذا المثال الذي لا يدرك إلا بصعوبة، لكننا لا ندركه إلا ونوقن بأنه علة كل ما هو جميل وخير، هو الذي ينشر ضوء الحق على موضوعات العلوم، ويمنح النفس قوة الإدراك، فهو مبدأ العلم والحق، يفوقهما جمالا مهما يكن لهما من جمال، …، وإن جماله ليُعجز كل بيان. لا يوصف سلبا، ولا يعين إيجابا إلا بنوع من التمثيل الناقص
   من خلال ذلك، فإن أفلاطون يخالف من سبقوه في تصور الله، وينتقدهم بشدة، فهو يرى أن الله روح عاقل محرك جميل خير عادل كامل، ولا يتشكل بأشكال متنوعة كما رأى هوميروس (شاعر قديم)، فهو كله حاضر مستمر، لا يسري عليه الزمان، لأن الزمان لا يلائم سوى المحسوس، فعندما نضيف إليه الماضي والمستقبل (عندما نقول كان وسيكون) فنحن نجهل طبيعته، إذ لا يلائمه سوى الحاضر
   بناء على ما سبق، يرى أفلاطون أن وجود الله وكماله وعنايته حقائق لا ريب فيها، وإنكارها جريمة ينبغي أن يعاقب عليها القانون، فهناك من قد يؤمن بوجود الله وينكر عنايته، وقد يؤمن البعض بوجوده وعنايته، وينكر كماله وعدالته، فإنكار الله أهون من الإيمان به وإنكار عنايته، وإنكار عنايته أهون من الاعتقاد أن الله مرتشي يهاجم هنا من يقدم القرابين للتقرب من الله.

 بقلم: الفقير الأستاذ إدريس الرباطي

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.