أصول الطريقة

السياحة

السياحة ” الأصل الخامس ”
• في اللغة
• في اصطلاح الطريقة الكركرية
• في القرآن الكريم
• في الحديث الشريف
• سياحة الأشباح وسياحة الأرواح
• مجمع البحرين
• معنى ” سياحة أمتي الجهاد في سبيل الله ”
• زاد الفقير في السياحة
• أدب السياحة

في اللغة
السِّيَاحة: الضرب في الأرض بقصد العبادة أو التنـزُّه أو التفرُّج .
• في اصطلاح الطريقة الكركرية
الانطلاق بغير مكان في المكان والسّيرُ بغير زمان في الزمان على مبدأ التّجريد ومراتب الصّمدية اعتبارا بآثار القدرة، لنفي السِّوَى والعوائق وخرق حجب الدقائق واستجلابا لذوق الجذبة على منشأ دوائر حركة العشق في دائرة الإمكان لتحطيم آلهة الأنا.
• في القرآن الكريم
وردت هذه اللفظة في القرآن الكريم ثلاث مرات، بصيغ مختلفة، منها قوله تعالى:
“التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ ۗ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ”
“فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ ۙ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ”
• في الحديث الشريف
عن أبي أمامة رضي الله عنه، أن رجلا، قال: يا رسول الله، ائذن لي في السياحة، قال: ” إن سياحة أمتي الجهاد في سبيل الله “ هذا حديث صحيح الإسناد.
عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” إن لله ملائكة سياحين في الأرض يبلغوني عن أمتي السلام.”
عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” إن لله ملائكة سياحين في الأرض فضلا عن كتاب الناس، فإذا وجدوا أقواما يذكرون الله تنادوا: هلموا إلى بغيتكم، فيجيئون فيحفون بهم إلى السماء الدنيا، فيقول الله: على أي شيء تركتم عبادي يصنعون؟ فيقولون: تركناهم يحمدونك، ويمجدونك، ويذكرونك، قال: فيقول: فهل رأوني؟ فيقولون: لا، قال: فيقول: فكيف لو رأوني؟ قال: فيقولون: لو رأوك لكانوا أشد تحميدا، وأشد تمجيدا، وأشد لك ذكرا، قال: فيقول: وأي شيء يطلبون؟ قال: فيقولون: يطلبون الجنة، قال: فيقول: وهل رأوها؟ قال: فيقولون: لا، قال: فيقول: فكيف لو رأوها؟ قال: فيقولون: لو رأوها كانوا لها أشد طلبا، وأشد عليها حرصا، قال: فيقول: فمن أي شيء يتعوذون؟ قالوا: يتعوذون من النار، قال: فيقول: هل رأوها؟ فيقولون: لا، فيقول: فكيف لو رأوها؟ فيقولون: لو رأوها كانوا منها أشد هربا، وأشد منها خوفا، وأشد منها تعوذا، قال: فيقول: فإني أشهدكم أني قد غفرت لهم، فيقولون: إن فيهم فلانا الخطاء لم يردهم إنما جاءهم لحاجة، فيقول: هم القوم لا يشقى لهم جليس “. قال أبو عيسى: هذا حسن صحيح

• سياحة الأشباح وسياحة الأرواح
اعلم أيها المريد أنه لما كان الوجود واحدا في دوائر الإمكان كان محل التحيز أيضا واحدا في عالم الناسوت أو ما يسمى بعالم الأشباح الجسمانية أو عالم الملك وهو عالم الجهات الست الحسية.
فمن كان مسجونا في حسه محصورا في هيكل ذاته فهو من عالم الأشباح، ومن انخرق له في قلبه كُوَّةٌ إلى عالم الأنوار وزالت عن عينه نقطة الغين وبرزت له أقمار المعارف وشموس اللطائف فرأى الكون نورا محضا فذاك عالم الأرواح.
وكل العوالم لها محل واحد من غير تراتب ولا فوقية حسية، وإنما التفاضل والفوقية معنوية فالمحل واحد والنظرة تختلف، فإذا كان هناك مثلا ثلاثة أشخاص في السوق يبيعون وواحد منهم يرى الناس والخضر والفواكه، والآخر يرى نور الله أينما توجه والثالث انمحق في الأنوار وفنى كليا، فالناظر لهم يراهم في نفس المكان والزمان لكن شتان بين الأول والثاني وشتان بين الثاني والثالث.
فسياحة الأشباح هي السير على إحاطة دائرة الإمكان والتفكر في عِظم الصنعة لتليين قاف القلب حتى يتمكن المريد من خرقها والدخول إلى لبّ قلبه.
فالسياحة الناسوتية غايتها اكتساب الدليل والبرهان على عظمة القادر المنان وكذا منع القلب من الاستئناس بأوتاد النفس ومحبوباتها المذكورة في قوله جل وعلا “قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّىٰ يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ”
فالشاهد عندنا قوله تعالى ” ومساكن ترضونها ” فالسكون عند العوام سوء أدب في حقهم لفقدهم نور المشاهدة الذي هو بُراق السياحة الروحية، لذلك كانت الحركة واجبة عليهم للتقرب للمولى جل وعلا من باب “من أتاني يمشي أتيته هرولة” فوجب عليهم المشي والسياحة في مَنَاكب الإحاطة الأرضية الناسوتية لتحريك ناعورة دوائر العشق في بواطن قلوبهم وحتى يصل ماء الشوق إلى لب أفئدتهم.
يقول ابن عجيبة قدس الله سره في البحر المديد :” الهجرة من أوطان الغفلة واجبة، ومفارقة الأصحاب والعشائر الذين لا يوافقون العبد على النهوض إلى الله فريضة، فيجب على المريد أن يهاجر من البلد التي لا يجد فيها قلبه، ولا يجد فيها من يتعاون به على ربه كائنة ما كانت، وما رأينا ولياً قط أنتج في بلده، إلا القليل، فلما هاجر صلى الله عليه وسلم من وطنه إلى المدينة وحينئذ نصر الدين، بقيت سنة في الأولياء، لا تجد ولياً يعمر سوقُه إلا في غير بلده، ويجب عليه أيضاً أن يعتزل من يشغله عن الآباء والأبناء والأزواج والعشائر، وكذلك الأموال والتجارات التي تشغل قلبه عن الله، بعد أن يقيم في أولاده حقوق الشريعة، فاللبيب هو الذي يجمع بين الحقيقة والشريعة، فلا يضيع من يعول ولا يترك حق من يتعلق به من الزوجة أو غيرها، ويذكر الله مع ذلك، فيخالطهم بحسه، ويفارقهم بقلبه، فإن لم يستطع وأراد دواء قلبه فليخير الزوجة، ويُوكل من ينوب عنه في القيام بحقوق العيال، حتى يقوى قلبه ويتمكن مع ربه.”
فمن لا حظ له في سياحة الأرواح فليجتهد في سياحة الأشباح في تحقيق مقامات السير من جوع وصبر وتقشف وخفض الجناح للغير، وتحمل الأذية والتوكل وإلا فما سياحته غير انتقال من كون إلى كون كما جاء في الحكم “ لا تَرْحَلْ مِنْ كَوْنٍ إلى كَوْنٍ فَتَكونَ كَحِمارِ الرَّحى يَسيرُ وَالمَكانُ الَّذي ارْتَحَلَ إلَيْهِ هُوَ الَّذي ارْتَحَلَ عَنْهُ. وَلكِنِ ارْحَلْ مِنْ الأَكْوان إلى المُكَوِّنِ، {وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى}. وَانْظُرْ إلى قَوْلِهِ -صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -“فَمَنْ كانَتْ هِجْرَتُهُ إلى اللهِ وَرَسولِهِ فَهِجْرَتُهُ إلى اللهِ وَرَسولِهِ، وَمَنْ كانَتْ هِجْرَتُهُ إلى دُنْيا يُصيبُها أو امْرأةٍ يَتَزَوَّجُها فَهِجْرَتُهُ إلى ما هاجَرَ إلَيْهِ”. فافْهَمْ قَوْلَهُ -عَلَيْهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ -وَتَأمَّلْ هذا الأمْرَ إنْ كُنْتَ ذا فَهْمٍ”
قال ابن عجيبة في شرح الحكم ” الرحيل من الكون إلى الكون هو الرحيل من السوى إلى طلب السوى وذلك كمن زهد في الدنيا وانقطع إلى الله يطلب بذلك راحة بدنه وإقبال الدنيا عليه لقوله صلى الله عليه وسلم:” من انقطع إلى الله كفاه الله كل مؤنة ورزقه من حيث لا يحتسب” ولقوله أيضاً “من كانت الآخرة نيته جمع الله عليه أمره، وجعل غناه في قلبه، وأتته الدنيا وهي صاغرة”، وكمن زهد فيها يطلب الخصوصية كإقبال الخلق والعز وتربية المهابة في قلوب الناس، أو زهد فيها يطلب الكرامة وخوارق العادات، أو زهد فيها يطلب القصور والحور، فهذا كله رحيل من كون إلى كون فمثله كحمار الطاحونة يسير الليل والنهار وهو في موضعه فالذي ارتحل منه هو الذي أرتحل إليه.
فمن كانت همته الحظوظ النفسانية فحاله حال حمار الساقية في السير دائم وهو في موضعه قائم يظن أنه قطع مسافة مما طلب، وما زاد إلا نقصاً مع تعب، قال الشيخ أبو الحسن رضي الله عنه:” قف بباب واحد لا لِتُفْتَح لك الأبواب تُفْتَح لك الأبواب، وأخضع لسيد واحد لا لتخضع لك الرقاب تخضع لك الرقاب، قال تعالى “وأن من شيء إلا عندنا خزائنه” فينبغي لك أيها المريد أن ترفع همتك إلى الملك المجيد فترحل من رؤية الأكوان إلى طلب شهود الملك الديان، أو ترحل من الدليل والبرهان إلى رتبة الشهود والعيان، وهو غاية القصد وبلوغ المنتهى، “وأن إلى ربك المنتهى” ولا ترحل من كون إلى كون بأن تترك حظاً من حظوظ نفسك طلباً لآخر فتكون كحمار الرحى الذي سار منه هو الذي عاد إليه، وتشبيهه بالحمار دليل على بلادته وقلة فهمه إذ لو فهم عن الله لرحل عن حظوظ نفسه وهواه قاصداً الوصول إلى حضرة مولاه، فلا ترحل أيها المريد من كون مخلوق إلى كون مخلوق مثلك، ولكن ارحل من الكون إلى المُكَوِّن وأن إلى ربك المنتهى، والرحيل إلى المكون يكون بثلاثة أمور الأول قَصْر همتك عليه دون ما سواه، حتى يطلع على قلبك فلا يجده محباً لسواه، الثاني الرُّجْعَى إليه بإقامة الحقوق والفرار من الحظوظ الثالث دوام اللجوء إليه والاستعانة به والتوكل عليه والاستسلام لما يورده عليك، قال الشيخ أبو الحسن رضي الله عنه:” أربعة من كن فيه أحتاج الخلق إليه وهو غني عن كل شيء، المحبة لله والغنى بالله، والصدق واليقين الصدق في العبودية واليقين في أحكام الربوبية من أحسن من الله حكماً لقوم يوقنون”.

• مجمع البحرين
لما أراد الحق أن يُري الكليم عليه السلام علوم القدرة أمره بالسياحة إلى مجمع البحرين وبرزخ الضدين والقصة في كتب التفسير مبسوطة في شأن ظاهر القصة وما كان من سياحة الآفاق وهو غرضنا في هذا المقام سياحة الأنفس في مراتب القلب.
فخرج موسى القلب وقد صحب في سفره فتى النفس حاملين حوت الهوى بنية لقاء الروح الخضري.
فصحبة القلب للنفس إنما هي لعلة السير لأن ميادين النفوس هي مضمار سير القلوب فلا سير إلا بطريق النفس كما جاء في الحكم “لولا ميادين النفوس ما تحقق سير السائرين إذ لا مسافة بينك وبينه حتى تطويها رحلتك ولا قطعة بينك وبينه حتى تمحوها وصلتك”.
فما ثم مسافة بينك وبينه سبحانه حتى تمشيها إذ هو سبحانه أقرب لك من حبل الوريد، وإنما سيرك منك إليك من حسك لمعناك من أرضك لسماك من وهم وجودك لخالقك الذي سواك.
فالسير مَجَاز لقطع عقبات النفس مرورا بمراتب القلب لمعرفة ذبذبات تقلباته وأوجه تجلياته، وهذا السير يستمد قوته من قوة الهوى كما يستعين بقوة الخيال سواءا علمت أم لم تعلم.
فلذلك أمر الحق الكليم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام أن يحمل حوتا في المكتل وجعل فقده أي فقد الهوى هو علامة بلوغ مجمع البحرين.
والحوت هو من جنس حوت ذو النون وهو ركن من أركان المثلث السفلي الذي ابتلي به نبي الله يونس بن متى عليه السلام، فقد ابتلاه الحق بظلمة الليل وظلمة البحر وظلمة بطن الحوت.
فلما بلغ موسى القلب وفتى النفس صخرة النحر ونام الكليم ليستريح رش فتى النفس ماء الحياة على الحوت فدبت فيه مرتبة الحياة فسرى في بحر الحقائق راسما طلسم لقاء الروح.
وفي البحر المديد:” إنما صار الحوت دليلاً لسيدنا موسى عليه السلام بعد موته وخروجه عن إلفه، ثم حيى حياة خصوصية لَمَّا أنفق عليه من عين الحياة، كذلك العارف لا يكون دالاً على الله، وإمامًا يقتدى به حتى يموت عن شهود حسه، ويخرق عوائد نفسه، ويفنى عن بشريته، ويبقى بربه، حينئذ تحيا روحه بشهود عظمة ربه، ويصير إمامًا ودليلاً موصلاً إليه، ويَظهر منه خرق العوائد، كما ظهر من الحوت، حيث أمسك عن الماء الجرية فصار كالطَّاق، وذلك اقتدار، وإلى ذلك تشير أحوال الخضر، فكان الحوت مظهرًا لحاله في تلك القصة.”
فعلى هذا المنوال تكون سياحة الأنفس في مراتب القلب للوصول إلى الروح ولذلك قيل من عرف نفسه عرف ربه، فسياحة الأنفس سياحة لله ومن كان سيره لله وصل إلى الله أما من كان سيره بالله فلا نهاية لسيره.
وهذا السير إنما هو لمن تحصل على الكبريت الأحمر الذي هو الشيخ الواصل الموصل والزيتونة المبارك اللاشرقية ولا غربية، أما من قُدر عليه رزقه فعليه بسياحة الآفاق والأشباح من التزام السنة بحذافيرها والقيام على الأوامر واجتناب المكاره فضلا عن المحرمات عسى أن يقبل في ديوان السائحين والسائحات.

• معنى سياحة أمتي الجهاد في سبيل الله
عن أبي أمامة أن رجلا قال: يا رسول الله ائذن لي في السياحة، قال النبي صلى الله عليه وسلم: ” إن سياحة أمتي الجهاد في سبيل الله تعالى.”
قد أوتي عليه الصلاة والسلام جوامع الكلم فالكلمة منه لها سبعين معنى على عدد الحجب بين الحق والخلق إذ كل كلمة منه عليه الصلاة والسلام قد حوت علوم الأولين والآخرين كيف لاو الحق جل وعلا يقول في كتابه العزيز ” وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى”.
فكلمة جهاد التي تم تقزيم معناها في مفهوم القتال أدى إلى انزلاق الكثير من شباب الأمة منها اتخاذ مقام البغض في الله و البَراء هو سنام الدين و ذروة الإيمان، و إن كان الحق قد خلق العالم على مبدأ الحب و مفهوم الجاذبية المتعارف عليه مظهر من مظاهره، فالذوق العالي في فهم نواميس الكون ومراتب الاسم أن البغض مقام من مقامات الحب والبَرَاء مقام من مقامات الولاء، فالأصل هو الولاء والبراء استثناء، و الأصل هو الحب والبغض استثناء لذلك سبقت في الأزل الرحمة الغضب فعن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : ” لما قضى الله الخلق كتب كتابا عنده غلبت، أو قال : سبقت رحمتي غضبي فهو عنده فوق العرش.”
والجهاد أنواع منها ما هو فرض كفاية ومنها ما هو فرض عين كجهاد النفس وهو أعلى مراتب الجهاد والمسمى بالجهاد الأكبر.
ومعنى الحديث في مقام الإحسان أن السياحة الحقيقة هي جهاد المريد في سبيل الله أي سبيل التحقق بمراتب اسم الجلالة فهي تلك السياحة من مراتب هاء الهوية إلى لام القبض إلى لام المعرفة إلى عماء الرب إلى ألف التوحيد.
فهي سياحة تجمع الأشباح والأرواح يكون فيها المُريد سائحا في آفاق نفسه سابحا في حقائق كونية شيخه، فيكون مثل الأرض تدور حول نفسها وفي نفس الوقت هي سابحة في فلك الشمس التي هي أصلها وسر باطنها إذ باطن الأرض ما هو إلا شمس مصغرة.
والشمس في سكونها تجري لمستقر لها والأرض في حركتها تطلب رسم السكون الذي هو مبتغاها، الشمس استوت على عرش المحبة بكامل احتراقها في معشوق الأزل والأرض تطلب الاحتراق في محبة مركز دورانها فكلما اقتربت منه اقترب فناؤها واقتربت ساعتها.
فالسكون يكون للشيخ لفناء همته في المطلوب إذ هو عينه فلولا الواسطة لذهب الموسوط كما قيل والحركة من حظ للمريد بغية الفناء في الواسطة.
فالسكون مقام الشيخ والحركة مظهر المريد فمن سكن بالحق عرفه ومن تحرك فيه فقد حدده وحيزه.

• زاد الفقير
لا بد للفقير من زاد من علم الفقة إذ وجب عليه تعلم سنة الحبيب في السفر لما عزم عليه قال تعالى “وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ”
اعلم أن السياحة مبنية على العزائم لا الرخص إذ على المريد أن يأخذ نفسه ويروضها على العزائم من غير أن يعاديها ويشق عليها مشقة تامة فما شاد الدين أحد إلا غلبه، فيعاملها كالبحر فإذا هاجت عليه وكبر مدها فلشد بالنواجد في الفرائض، فإذا سكنت وانزجر شطها فليكثر من النوافل من غير رهبانية.
ومن الزاد الفقهي الذي لا يسع السائح جهله التيمم وأحكام المياه، والجمع والقصر والمسح على الخفين وكل ما يتعلق بالسفر، فليجتهد للتفقه على مذهب إمامنا مالك رحمه الله ورضي عنه وأرضاه.
وليعلم أن لكل فصل في الشريعة أصل في التحقيق فكلام المصطفى وأعماله وإقراراته وكل نفسه وهمسه ولمسه إلا هو تحقيق.
باب التيمم:
التَّيَمُّم طَهَارَة ترابية تشْتَمل على مسح الْوَجْه وَالْيَدَيْنِ بنية وَالَّذين يُبَاح لَهُم التَّيَمُّم سَبْعَة فَاقِد المَاء الْكَافِي وَالْعَاجِز عَن اسْتِعْمَاله والخائف حُدُوث مرض أَو زِيَادَته أَو تَأَخّر برْء والخائف عَطش حَيَوَان مُحْتَرم والخائف تلف مَال ذِي بَال والخائف خُرُوج الْوَقْت الإختياري بِاسْتِعْمَال المَاء والفاقد مِنْهَا وَلَا أَوله وَيتَيَمَّم هَؤُلَاءِ فِي الْحَضَر وَالسّفر وَلَو كَانَ سفر مَعْصِيّة وَالتَّيَمُّم يكون للْفَرض اسْتِقْلَالا وللنفل تبعا للْفَرض فَإِن صلى بِهِ فرضين بَطل الثَّانِي وَإِن صلى بِهِ فرضا ونفلا صَحا مَعًا إِن قدم النَّفْل واتصل الْأَخير بِالْأولِ فَإِن تَأَخّر الْفَرْض بَطل وَصَحَّ النَّفْل فَقَط.
وفي المنح القدوسية “ لا يقصد المتطهر بالطهارة الترابية صلاة الاتصال بل غاية أمره صلاة الانفصال لكونه منفصلا بوجود الحدوث الذي لم يرتفع في نظره، فهو متقيد بتقييده، بخلاف المتطهر بالماء المطلق فطهارته مطلقة بإطلاق الماء، والثاني طهارته مقيدة بتقييد التراب، فالماء كناية عن الماء والتراب كناية عن الحس، فشتان بين من تطهر بالمعنى ومن تطهر بالحس، فالحس لا يطهر الحس، فالاول عرف الله بالله، والثاني عرف الله بسواه، شتان بين من يستدل به ومن يستدل عليه” .
فليقص على هذا المثال الذي ضربناه له في التيمم في كل العبادات والمعاملات والأحكام حتى يعلم مراد الشرع فشتان بين التطبيق بفهم وبغير فهم فالتطبيق العلمي للأحكام مع فهم مُراد الشارع فيه له لذة وحلاوة لا يعلمها إلا أهلها كما أنه يسهل على النفس تطبيقه والمداومة عليه.
ومن أراد التوسع فعليه بكتب القوم ممن بسطوا الكلام بلسان الباطن في علم الأحكام ككتاب المنح القدوسية لشيخنا سيدي احمد بن عليوة المستغانمي قدس الله روحه.

• أدب السياحة
اعلم أن مجمع الأمر في باب السياحة حسن الخلق فهو البراق الذي من ركبه قضى مآربه فوصل واتصل، فيقطع في المدة الوجيزة من المقامات ما لا يقطعه غيره في السنوات، أما من ساء خلقه مع إخوانه أو مع العامة فرد السيئة بالسيئة فسياحته لم تؤت أكلها فعليه بتجديد التوبة، إذ الغرض من السياحة تحمل الأذى والصبر على الإخوان وعلى العامة ولن يتأتى هذا إلا بحسن الخلق وهذه بعض الأحاديث النبوية التي تبين لك فضله ودرجته عند المولى جل وعلا:
عن جابر، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ” إن من أحبكم إلي وأقربكم مني مجلسا يوم القيامة أحاسنكم أخلاقا، وإن أبغضكم إلي وأبعدكم مني مجلسا يوم القيامة الثرثارون والمتشدقون “، قالوا: يا رسول الله قد علمنا الثرثارون، والمتشدقون ، فما المتفيهقون ؟ قال : ” المتكبرون ”
عن أبي هريرة ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ” إن أحبكم إلي أحاسنكم أخلاقا ، الموطئون أكنافا ، الذين يألفون ويؤلفون ، وإن أبغضكم إلي المشاءون بالنميمة ، المفرقون بين الأحبة ، الملتمسون للبرآء العنت ، العيب “
عن أنس ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” إن أكمل الناس إيمانا أحسنهم خلقا ، وإن حسن الخلق ليبلغ درجة الصوم والصلاة ”
عن أبي هريرة ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا ، وخياركم خياركم لنسائهم خلقا “
عن أبي هريرة قال سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أكثر ما يدخل الناس الجنة فقال تقوى الله وحسن الخلق وسئل عن أكثر ما يدخل الناس النار فقال الفم والفرج
أسامة بن شريك – رضي الله عنه – ، قال : شهدت رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم – والأعراب يسألونه ، قالوا : يا رسول الله علينا حرج في كذا ؟ ، علينا حرج في كذا ؟ ، لأشياء ليس بها بأس ، فقال : ” عباد الله ، إن الله وضع الحرج إلا من اقترف من عرض امرئ مسلم ظلما ، فذلك الذي حرج وهلك ” ، فقالوا : نتداوى يا رسول الله ؟ قال : ” نعم ، تداووا عباد الله ، فإن الله تعالى لم يضع داء إلا وضع له دواء ، غير داء واحد ” قالوا : يا رسول الله وما هو ؟ قال : ” الهرم ” ، قالوا : يا رسول الله ما خير ما أعطي الإنسان ؟ قال : ” خلق حسن ”
عن عبد الله بن مسعود قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا أخبركم بمن يحرم على النار أو بمن تحرم عليه النار على كل قريب هين سهل قال أبو عيسى هذا حديث حسن غريب
فالأدب هو وجه حسن الخلق فالأدب هو روح التوصف حتى قيل من فاتك في الأدب فاتك في التصوف وقيل أيضا ” اجعل عبادتك ملحا وأدبك دقيقا”و ما قيل هذا الكلام إلا لما رأى أهل الله من فضل وبركة الأدب له وه مع الحق ووجه مع الواسطة ووجه مع الإخوان وجوه مع العامة من الناس.
أما عن الأدب مع الحق في السياحة هو التوكل والإنطراح بين يدي الحق حتى تكون كالريشة في مهب رياح قدرته، مع الزهد المعتبر بالتقليل من متاع الدنيا.
أما مع الواسطة بدوام المراقبة لحقيقتها حتى تسلبك وجودك، فلا ترى من نفسك إلا شيخك في كل عمل معتبر شرعا وحقيقة، فمنه تتصل بنور رسول الله صلى الله عليه والسلام فهو الباب و هو البواب فارمي نفسك في أحضان سره.
أما مع الإخوان فبالصبر و عدم رؤية العلل، بل بالتعضيم لما استودع فيهم من أسرار و أنوار فما هم إلا صفة من صفات التجلي فعظمها، كذاك الشورى معهم فالبركة في المشاورة فقد حث المولى رسوله بمشاورة أصحابه وإن كان عليه الصلاة والسلاة حقيقة غني عنها قال تعالى “فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ۖ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ” كذاك الإيثار قال تعالى “وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ” .
أما مع العامة فبالدعاء بالهداية والتوفيق لرضاء الله عز وجل والنظر لهم بعين التحقيق قال أحد العارفين “تشرع لنفسك وتحقق لغيرك” فعين الحقيقة عين جمال ترى بها الكل في رحمة مولاه، كذاك الرحمة بهم والترفق واللين قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” ما من دعاء أحب إلى الله من أن يقول العبد : اللهم ارحم أمة محمد رحمة عامة “.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق