أصول الطريقة

السبحة

السبحة

  • في اللغة

سَبَّحَ الله وله : قدَّسَهُ ، نزَّههُ ، قال : سبحان الله
السبحة أو المسبحة: خرزات منظومة في سلك للصلاة و التسبيح

في اصطلاح الطريقة الكركرية

هوية اسم الذات ، وسر جمع الأسماء ومظهر سريان الحق ، وإشارة تنزيه المعبود عن نقائص الحدث الإمكاني و علل تشبيه العقل الإنساني

  • في القرآن الكريم

وردت هذه اللفظة في القرآن الكريم (97) مرة بمشتقاتها المختلفة ، منها قوله تعالى

  • قال تعالى : وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ
  • قال تعالى :  قَالَ رَبِّ اجْعَل لِّيَ آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ إِلاَّ رَمْزاً وَاذْكُر رَّبَّكَ كَثِيراً وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالإِبْكَارِ
  • قال تعالى : وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ
  • قال تعالى : دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ
  • قال تعالى : وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلاَئِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَن يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ
  • قال تعالى : سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ
  • قال تعالى : تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إلٍّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً
  • قال تعالى : قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي  وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي  وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي  يَفْقَهُوا قَوْلِي  وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي  هَارُونَ أَخِي  اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي  وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي  كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا
  • قال تعالى : فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آَنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى
  • قال تعالى : فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلاًّ آتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ
  • قال تعالى :  وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ
  • قال تعالى : فَلَمَّا جَاءهَا نُودِيَ أَن بُورِكَ مَن فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ
  • قال تعالى : إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَال مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاق
  • قال تعالى : وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ ۖ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ
  • قال تعالى : قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ
  • قال تعالى : وَمِنَ الَّيلِ فَاسجُد لَهُ وَسَبِّحهُ لَيلًا طَويلًا

السبحة في الحديث الشريف

كتاب الإمام السيوطي “المنحة في السبحة”وهو رسالة من الرسائل المجموعة في الحاوي للفتاوي و قد جُمع فيه ما تفرق في كتب أهل الحديث من شواهد على تسبيح الصحابة بالنوى والحصى رضي الله عنهم أجمعين ، ونورد هنا بعض ما أورده في كتابه رضي الله عنه وأرضاه ولمن أراد المزيد فليرجع إلى الكتاب
أخرج الترمذي والحاكم والطبراني عن صفية قالت دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين يدي أربعة آلاف نواة أسبح بهن فقال ما هذا يا بنت حيي قلت أسبح بهن، قال قد سبحت منذ قمت على رأسك أكثر من هذا، قلت علمني يا رسول الله قال قولي سبحان الله عدد ما خلق من شيء
وفي جزء هلال الحفار ومعجم الصحابة للبغوي وتاريخ ابن عساكر من طريق معتمر بن سلميان عن أبي بن كعب عن جده بقية عن أبي صفية مولى النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يوضع له نطع ويجاء بزنبيل فيه حصى فيسبح به إلى نصف النهار، ثم يرفع فإذا صلى الأولى أتى به فيسبح به حتى يمسي
وأخرج ابن سعد عن حكيم بن الديلمي أن سعد بن أبي وقاص كان يسبح بالحصى
وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف عن مولاة لسعد أن سعدا كان يسبح بالحصى أو النوى
وقد اتخذ السبحة سادات يشار إليهم ويؤخذ عنهم ويعتمد عليهم كأبي هريرة رضي الله كان له خيط فيه ألفا عقدة، فكان لا ينام حتى يسبح به اثنتي عشر ألف تسبيحه
وفي سنن أبي داود من حديث أبي بصرة الغفاري قال حدثني شيخ من طفاوة قال تَثَوَّيْت أبا هريرة بالمدينة، فلم أر رجلا أشد تشميرا ولا أقوم على ضيف منه، قال فبينما أنا عنده يوما وهو على سرير له ومعه كيس فيه حصى أو نوى وأسفل منه جارية سوداء، وهو يسبح بها حتى إذا أنفد ما في الكيس ألقاه إليها فأعادته في الكيس فدفعته إليه يسبح، قوله تثويت أي تضيفته ونزلت في منزله والمثوى المنزل
وقيل كان أبو هريرة رضي الله عنه يسبح بالنوى المجزع يعني الذي حك بعضه حتى أبيض شيء منه وترك الباقي على لونه، وكل ما فيه سواد وبياض فهو مجزع قاله أهل اللغة
وذكر الحافظ عبد الغني في الكمال في ترجمة أبي الدرداء عويمر رضي الله عنه أنه كان يسبح في اليوم مائة ألف تسبيحه
وذكر أيضا عن سلمة بن سبيب قال كان خالد بن معدان يسبح في اليوم أربعين ألف تسبيحه سوى ما يقرأ فلما وضع ليغسل جعل بأصبعه كذا يحركها يعني بالتسبيح
ومن المعلوم المحقق أن المائة ألف بل والأربعين ألفا وأقل من ذلك لا يحصر بالأنامل فقد صح بذلك وثبت أنهما كانا يعدان بآلة والله أعلم
وكان لأبي مسلم الخولاني رحمه الله سبحة فقام ليلة والسبحة في يده قال فاستدارت السبحة فالتفت على ذراعه، وجعلت تسبح فالتفت أبو مسلم والسبحة تدور في ذراعه وهي تقول سبحانك يا منبت النبات ويا دائم الثبات قال هلمي يا أم مسلم فانظري إلى أعجب الأعاجيب، قال فجاءت أم مسلم والسبحة تدور وتسبح فلما جلست سكتت، ذكره أبو القاسم هبة الله بن الحسن الطبري في كتاب كرامات الأولياء.

  • حديث مسلسل في حمل السبحة

ذكره القاضي أبو العباس أحمد بن خلكان في وفيات الأعيان أنه رأى في يد أبي القاسم الجنيد بن محمد قدس الله سره يوماً سبحة فقيل له : أنت مع شرفك تأخذ بيدك سبحة؟
قال: طريقٌ وصلت به إلى ربي لا أفارقه
ولقد رويت( أي السيوطي) في ذلك حديثا مسلسلاً وهو ما أخبرني به شيخنا الإمام أبو عبد الله محمد بن أبي بكر بن عبد الله من لفظه ورأيت في يده سبحة
قال : أخبرني الإمام أبو العباس أحمد بن أبي المجالس يوسف البانياسي بقراءتي عليه ورأيت في يده سبحة .
قال : أخبرنا أبو المظفر يوسف بن محمد بن مسعود الترمذي ورأيت في يده سبحة .
قال: أخبرني عبد الصمد بن أحمد بن عبد القادر ورأيت في يده سبحة.
قال: أخبرنا أبو محمد يوسف بن أبي الفرج عبد الرحمن بن علي ورأيت في يده سبحة.
قال : أخبرنا أبي ورأيت في يده سبحة.
قال : قرأت على أبي الفضل بن ناصر ورأيت في يده سبحة.
قال : قرأت على أبي محمد عبد الله بن أحمد السمرقندي ورأيت في يده سبحة .
قلت: وسمعت أبا بكر محمد بن علي السلمي الحداد ورأيت في يده سبحة.
فقال : نعم.
قال: رأيت أبا نصر عبد الوهاب بن عبد الله بن عمر المقري ورأيت في يده سبحة.
قال: رأيت أبا الحسن علي بن الحسن بن أبي القاسم المترفق الصوفي وفي يده سبحة.
قال: سمعت أبا الحسن المالكي يقول: وقد رأيت في يده سبحة.
قلت له : يا أستاذي أنت إلى الآن مع السبحة ؟ .
فقال : كذلك رأيت أستاذي الجنيد قدس الله سره وفي يده سبحة .
فقلت : يا أستاذي أنت إلى الآن مع السبحة .
فقال كذلك رأيت أستاذي السري بن مغلس السقطي قدس الله سره وفي يده سبحة .
فقلت له : يا أستاذي إلى الآن مع السبحة .
فقال : كذلك رأيت أستاذي معروف الكرخي وبيده سبحة فسألته عما سألتني  عنه.
فقال : كذلك رأيت بشر الحافي وفي يده سبحة .
فسألته عما سألتني عنه فقال:كذلك رأيت أستاذي عمر المالكي وفي يده سبحة فسألته عما سألتني عنه
فقال: كذلك رأيت أستاذي الحسن البصري قدس الله سره وفي يده سبحة .
فقلت : يا أستاذي مع عظم شأنك وحسن عبادتك وأنت إلى الآن مع السبحة .
فقال لي: هذا شيء كنا استعملناه في البدايات ما كنا نتركه في النهايات، أحب أن أذكر الله تعالى بقلبي وفي يدي وفي لساني  .
فلو كان في  اتخاذ السبحة مخالفة لسنة الحبيب عليه الصلاة والسلام لما اتخذها سيدنا  الحسن البصري و بشر الحافي و معروف الكرخي و سري السقطي و الجنيد قدس الله أسرارهم ورضي الله عنهم ، فلقد كانوا رضوان الله عنهم أحرس الناس على متابعة السنة الشريفة، فما كانوا ليخالفوا سنة رسولنا صلوات ربي و سلامه عليه فلماذا يجعل البعض محاربة السبحة هم حياته و نقطة غايته وقد وصلنا إلى زمن فترت فيه الهمم عن ذكر الله والشوق للقائه، فهل من الحكمة أن نزيد الناس بعدا عن الله أم أن نسير بهم في الطريق شيئا فشيئا، التدرج والوسائط حكمة إلهية وسنة كونية، و الإختلاف في الفروع رحمة وتوسعة على الأمة ومسألة الحكم على السبحة لا تعدو أن تكون اجتهادا فلا نص صريح واضح يشفي الغليل، أما المحبة بين المسلمين والتواد و التعاون فواجب فلا نترك رحمكم الله الأصل لأجل الفرع.

  • تأصيل اتخاذ السبحة

القاعدة الفقهية المعروفة: الأصل في الأشياء الاباحه حتى يرد النهي والتحريم
ومن يكن ذا قلب سليم وعقل لبيب يرى أن السنة الشريفة لم تنه عن اتخاذ السبحة ، بل قد شجعت على الذكر وكثرته، فعن عبد الله بن بسر، أن أعرابيا ، قال : لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، إن شرائع الإسلام قد كثرت علي  فأنبئني منها بشيء أتشبث به ، قال : ” لا يزال لسانك رطبا من ذكر الله عز وجل
عن أبي هريرة ، قال : كان رسول الله صلى الله عليه و سلم يسير في طريق مكة  فمر على جبل يقال له جمدان ، فقال: ” سيروا هذا جمدان سبق المفردون ” قالوا: وما المفردون يا رسول الله؟ قال: الذاكرون الله كثيرا والذاكرات
“ويشهد لهذا المعنى أن الله تعالى وصف المنافقين بأنهم لا يذكرون الله إلا قليلا ، فمن أكثر ذكر الله ، فقد باينهم في أوصافهم ، ولهذا ختمت سورة المنافقين بالأمر بذكر الله ، وأن لا يلهي المؤمن عن ذلك مال ولا ولد  وأن من ألهاه ذلك عن ذكر الله ، فهو من الخاسرين، قال الربيع بن أنس ، عن بعض أصحابه علامة حب الله كثرة ذكره ، فإنك لن تحب شيئا إلا أكثرت ذكره
وقال فتح الموصلي : المحب لله لا يغفل عن ذكر الله طرفة عين ، قال ذو النون : من اشتغل قلبه ولسانه بالذكر ، قذف الله في قلبه نور الاشتياق إليه
قال إبراهيم -بن الجنيد : كان يقال : من علامة المحب لله دوام الذكر بالقلب واللسان ، وقلما ولع المرء بذكر الله عز وجل إلا أفاد منه حب الله
وكان بعض السلف يقول في مناجاته : إذا سئم البطالون من بطالتهم ، فلن يسأم محبوك من مناجاتك وذكرك
قال أبو جعفر المحولي : ولي الله المحب لله لا يخلو قلبه من ذكر ربه ، ولا يسأم من خدمته . وقد ذكرنا قول عائشة : كان النبي صلى الله عليه و سلم يذكر الله على كل أحيانه ، والمعنى : في حال قيامه ومشيه وقعوده واضطجاعه ، وسواء كان على  طهارة أو على حدث . وقال مسعر : كانت دواب البحر في البحر تسكن ، ويوسف عليه السلام في السجن لا يسكن عن ذكر الله عز وجل
وكان لأبي هريرة خيط فيه ألف عقدة ، فلا ينام حتى يسبح به
وكان خالد بن معدان يسبح كل يوم أربعين ألف تسبيحة سوى ما يقرأ من القرآن ، فلما مات وضع على سريره ليغسل ، فجعل يشير بأصبعه يحركها بالتسبيح …..  وقال عبد العزيز بن أبي رواد :كانت عندنا امرأة بمكة تسبح كل يوم اثني عشرة ألف تسبيحه ، فماتت فلما بلغت القبر ، اختلست من أيدي الرجال
وكان الحسن البصري كثيرا ما يقول إذا لم يحدث ، ولم يكن له شغل : سبحان الله العظيم ، فذكر ذلك لبعض فقهاء مكة ، فقال : إن صاحبكم لفقيه ، ما قالها أحد سبع مرات إلا بني له بيت في الجنة، وكان عامة كلام ابن سيرين : سبحان الله العظيم ، سبحان الله وبحمده
كان المغيرة بن حكيم الصنعاني إذا هدأت العيون ، نزل إلى البحر ، وقام  في الماء يذكر الله مع دواب البحر
نام بعضهم عند إبراهيم بن أدهم قال : فكنت كلما استيقظت من الليل ، وجدته يذكر الله ، فأغتم ، ثم أعزي نفسي بهذه الآية : ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء
فالسنة المطهرة حثت على الذكر الكثير والقرآن الكريم حث ورغب في الذكر بل لم يقيده لا بشهر كالصيام ولا بأيام كالحج ولا بوقت كالصلاة وإنما جعله مطلقا شأن الذكر شأن المذكور حيث قال عز من قائل
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلا * هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا
والذكر الكثير هو الذكر المتصل بغير انفصال وهو الذكر القلبي  للعبد المستأنس بشهود أنوار الصفات المعتكف في حضرة الحق ، الهائم في أنوار القرب فلا يغفل عن روح الحبيب ولا عن استحضار السر، فعن أبي سعيد ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أنه قال:” أكثروا ذكر الله ، حتى يقولوا مجنون
و الذكر بحق يكون من وقت طلوع فجر القلب إلى غروب شمس الروح، ومراتبه اللسان والقلب والروح والسر
والسبحة شرط من شروط الذكر عند القوم لما لها من فوائد جَمَّة وأسرار و معاني، و ذلك أنها تعين على العد، خصوصا لمن ألزم نفسه بأعداد كبيرة يتعذر عدها بالأنامل، كما أنها رمز لهاء الإسم الجامع، و هي مُذَكِّرَة للناظر بخالقه سبحانه وهي علامة التبري من الحول والقوة، إذ شكلها دائري كالصفر والصفر معناه الفناء وعدد حباتها بعدد أسماء الله الحسنى، إلى ما لها من أسرار أخرى، لا يسع المقام لبسط الكلام عنها
والحق ما خلق الإنسان إلا ليعرفه قال تعالى :وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ
و لا تتحقق معرفة الحق إلا بكثرة ذكر الله ، وكثرة الذكر تستوجب السبحة للعد فإذن “ما لا يتم الواجب إلا به فهو  واجب.

  • شبهات حول السبحة

ذكرها صاحب الموسوعة الكسنزانية  قال
“اعترض البعض بحجج واهية على السبحة ، وفيما يلي خلاصتها والرد عليها
قالوا : إن الرسول صلى الله عليه و سلم كان يعقد التسبيح أي يعده على أصابعه لتشهد له فإنهن – أي الأصابع – مسؤولات مستنطقات واستدلوا بروايتين : إحداهما لأبى داود قال فيها : ( يعقد التسبيح بيمينه ) والثانية للترمذي قال فيها : ” يعقد التسبيح بيده”
إن القول بأن الرسول صلى الله عليه و سلم عقد التسبيح بيده ، فالحق أنه وإن عقد التسبيح بيده لم ينكر على من سبحوا بالنواة أو الحصى أو غيرها ، علما بأن اليد التي تعقد التسبيح دون واسطة هي ذات اليد التي تعقد بواسطة السبحة ، ومن ثم فإن السبحة لا تمنع استنطاق الأنامل ومسؤوليتها ولا تحرمها من النور الذي يفاض عليها من جراء التسبيح
وإننا نرى مع السيوطي ” أن المسبح إن أمن الغلط كان عقده بالأنامل أفضل وإلا فالسبحة أولى ”
زعموا أن في اتخاذ السبحة شبهة الرياء والسمعة، وعلى هذا فإن تركها عندهم أفضل وأسلم للدين
إن شبهة الرياء والسمعة كما تقال عن السبحة تقال أيضاً عن كل عبادة، فهل نترك كل العبادات لاحتمال مظنة الرياء والسمعة فيها ؟
قالوا : إنها بدعة لم يتخذها رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يتخذها الصحابة وكل بدعة ضلالة ، وكل ضلالة في النار
جاء عن رسول الله صلى الله عليه و سلم:” من سنة سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة “، ولهذا أفتى العلماء بخطأ التعميم في الحكم على كل المحدثات بأنها ضلالة، وقالوا
إن في البدع أو المحدثات ما هو واجب كوضع علم العربية وتعليمه
ومنها ما هو مندوب كإقامة المدارس
ومنها ما هو محرم كتلحين القرآن الكريم بما يخرج بألفاظه عن وضعه العربي
ومنها ما هو مباح كوضع الأطعمة على الموائد
وقد جاء في شرح المشكاة لابن حجر ما يأتي: ” ويستفاد من الأمر بالعقد ندب اتخاذ السبحة وزعم أنها بدعة غير صحيح
قالوا: قد حكم أن مطلق العدد بدعة فما بالك بالعد بالسبحة؟
يكفي للرد على منكري العدد أن نرجعهم إلى الأحاديث والآثار التي نصت على أن بعض الصحابة كان له ورد معين كأن يكون إثني عشر ألف تسبيحه كورد أبي هريرة ، أو أربعين ألف تسبيحه كورد خالد بن سعدان ، أو مائة ألف تسبيحه كأبي الدرداء ، وسبق أن ذكرنا كذلك كان ورد بعض التابعين ثلاثين ألفا ، وكان ورد بعضهم في الركعات ثلاثمائة ركعة وورد آخرين ستمائة إلى ألف ركعة

  • تعليق السبحة في الأعناق

قال تعالى : جَعَلَ اللّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَاماً لِّلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلاَئِدَ ذَلِكَ لِتَعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَأَنَّ اللّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ
قال الطبري في تفسيره لهذه الآية
“جعل الله هذه الأربعة قـياماً للناس، هو قوام أمرهم ، وهذه الأقوال وإن اختلفت من قائلها ألفـاظها، فإن معانـيها آيـلة إلـى ما قلنا فـي ذلك من أن القوام للشيء هو الذي به صلاحه، كالـملك الأعظم قوام رعيته ومن فـي سلطانه، لأنه مدبر أمرهم وحاجز ظالـمهم عن مظلومهم والدافع عنهم مكروه من بغاهم وعاداهم
وكذلك كانت الكعبة والشهر الـحرام والهدي والقلائد قوام أمر العرب الذي كان به صلاحهم فـي الـجاهلـية، وهي فـي الإسلام لأهله معالـم حجهم ومناسكهم و متوجههم لصلاتهم وقبلتهم التـي بـاستقبـالها يتـمّ فرضهم
حواجز أبقاها الله بـين الناس فـي الـجاهلـية فكان الرجل لو جرّ كلّ جريرة ثم لـجأ إلـى الـحرم لـم يُتناول ولـم يُقرب. وكان الرجل لو لقـي قاتل أبـيه فـي الشهر الـحرام لـم يعرض له ولـم يقربه. وكان الرجل إذا أراد البـيت تقلد قلادة من شعر فأحمته ومنعته من الناس، وكان إذا نفر تقلد قلادة من الإذخر أو من لـحاء السَّمُر، فمنعته من الناس حتـى يأتـي أهله حواجز أبقاها الله بـين الناس فـي الـجاهلـية
و المعنى أنه كان الرجل في الجاهلية إذا خرج من بيته يريد الحج تَقَلَّدَ من السَّمُر قلادة فلا يتعرض له أحد بسوء، وفي هذا جواز تمييز أهل الدين والعبادة بما يأمنون بها من أهل الشر، قصد نجاة النفس من المهالك سواء الحسية منها أو المعنوية
ثم إن السبحة في العنق أشبه ما يكون بالخاتم في اليد، فكما أن الخاتم له دلالة الحكم والملك فكذلك السبحة ولله المثل الأعلى لها دلالة القرب من الحق قال تعالى : وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ
فخص الحق سبحانه قربه بحبل الوريد لأنه أهم عرق في جسم المملكة الإنسانية ولاتصاله اتصالا وثيقا بالقلب وهو متصل بالوتين إذا انقطع مات صاحبه ، وهو  عرق داخل الجسم فكان بذلك قرب الحق أقرب إلينا من ذواتنا وقد جاء في الأثر “من عرف نفسه عرف ربه”فمن حيث عين الجمع فما في الوجود إلا هو ومن حيث عين الفرق فحكم قائم بفعل ، وفعل قائم بصفة ، وصفة قائمة بذات
وحبل الوريد موضعه العنق فوضع أهل الله هوية الإسم في أعناقهم لأن السبحة ما هي إلا هاء الإسم حتى تتحقق فيهم الآية حسا ومعنى
والعنق له شرف وكرامة يوم القيامة حيث جعله الحق علامة الإيمان والرفعة. قال معاوية سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول: ” المؤذنون أطول الناس أعناقا يوم القيامة
وما الأذان إلا دعوة تامة وما  ثَمَّةَ دعوة تَمَّتْ إلا لأهل الاسم و هم المشايخ الكمل قدس الله سرهم
كما أن تعليق السبحة في العنق هو من باب التعظيم لذكر الله من باب التقرب التوفيقي لا التوقيفي وذلك لصونها من الضياع و الإمتهان وكما جاز الأصل يجوز الفرع
إضافة إلى أنها آلة لجهاد النفس مثلها في ذلك كالسيف فكما أن السيف بعد الإنتهاء منه يعلق في العنق فقس على ذلك السبحة فهي آلة الجهاد الأكبر فهي آكد حيث أن العدو لا يغفل عنك أبدا
و قد يعلق في العنق الجِراب والمِخْلاة والقِرْبَة مما يستعان به في العادات و السبحة لها كل الأولوية على ما ذكر .

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

إغلاق