Uncategorized

الزاوية الكركرية…ليلة العشق

نشر في الصباح يوم 01 – 12 – 2018

فقراء العالم في حضرة شيخهم في مشاهدات نورانية ورؤية وحضرة

بحلول ذكرى عيد المولد النبوي، تنبعث الزوايا من رمادها، وتبرز بطقوس الاحتفال والحضرة والمشاهدة، ولعل الطريقة “الكركرية” أبرز هذه الزوايا، التي يلتئم فقراؤها من بقاع عديدة في حضرة الشيخ محمد فوزي “الكركري”، بقرية الحويسية، بملابسهم المزركشة والمرقعة، المفعمة بالألوان، وبسبحاتهم التي تزين أعناقهم، ورائحة العطر والبخور التي تفوح من الزاوية وفقرائها، في ليلة انتظرها المريدون بشوق كبير، قصد الاحتفال وإحياء طقوس الذكر والحضرة، وتغذية الأرواح ب “مشاهدة” نور الخالق، وتجديد البيعة، ودخول مريدين جدد في دين الإسلام، وأداء فروض البيعة أمام شيخ الطريقة.
إنجاز: عصام الناصيري – تصوير: عبد المجيد بزيوات (موفدا الصباح إلى الناظور)
تقع الزاوية الكركرية بقرية الحويسية قرب العروي بإقليم الناظور، وهي منطقة ريفية ناطقة باللسان الأمازيغي، وتبدو مكانا هادئا وبسيطا، وكأن روح الصوفية تسري في هوائها، وأرخت بظلالها على السكان، إذ ينعدم فيها الصخب، والحركة الزائدة، رغم أن اليوم الذي حلت فيه “الصباح” بالحويسية استثنائي، لا يتكرر سوى مرة في السنة، إذ يحل فيه الفقراء والفقيرات من مدن مغربية ودول أجنبية، للاحتفال في حضرة “سيدي الشيخ” بمولد الرسول محمد.
وصول الفقراء
تبدأ الاحتفالات خارج الزاوية، مباشرة بعد صلاة العصر، إذ يتحلق الفقراء في شكل نصف دائري، حول الشيخ في ساحة أمام المسجد، مرددين الأذكار بصوت مسموع، يمتد إلى المقاهي المجاورة، التي جلس فيها أهل القرية، يتسلون بشرب كؤوس الشاي وألعاب الورق، فيما كان الفقراء يلتحقون واحدا تلو الآخر، أما الشيخ فتوسط الحضور، تحت مظلة تحميه من أشعة شمس الحويسية الدافئة، ويحمل عصا طويلة يتكئ عليها، فيما كان بعض الشباب يحملون الأعلام وصور “السلطان” بملابسهم المزركشة، وكلما التحق أحدهم بالجمع يلقي التحية بتقبيل الأيدي، إذ يتنافسون في السرعة وعدد القبل، فمن يقبل أكثر يجني فضلا أكثر.
بعد وهلة وصلت إحدى الحافلات، كانت تقل الفقيرات بزيهن الموحد، فيما كان شاب في مقتبل العمر يرش العطر على الفقراء، وينادونه “زكرياء رش هنا”، وكأنه عطر مبارك، يعلي الشأن، إذ كانت قسمات وجوه الفقراء تبتهج، كلما بلغتهم قطرة عطر، في مشهد يشبه سقوط المطر فوق طفل مقبل على الحياة. وبعد مدة تحرك الحشد نحو الزاوية التي تبعد بضع مئات الأمتار، وكان الشيخ يتقدم الفقراء بعصاه الطويلة، والسبحات المعلقة في عنقه، وتتبعهم الفقيرات في حشد مهيب.
“مرقعة” المحبة
لعل أكثر التفاصيل التي تبعث عن السؤال في طقوس الزاوية الكركرية، لباسهم العجيب الملون، إذ يرتدي جميع الفقراء والفقيرات، لباسا يرمز إليه ب “المرقعة” أو “الدربالة”. ويقول أمين غازي، مقدم الزاوية الكركرية، والناطق الرسمي باسمها، “إن هذا اللباس يدعى المرقعة، وهو زي قديم يمتد إلى فترة حياة الرسول، إذ قالت عائشة إنه اللباس الذي قبض فيه المصطفى، لكن سيدي الشيخ جدده وأعطاه المعاني”، وأما بالنسبة لألوان المرقعة، فيوضح غازي أن “هناك نوعين من المرقعات، واحدة بالألوان وأخرى من غير ألوان، وترمز الملونة إلى مقام الفقير الأدنى أما الأخرى فهي زي أرقى، لأن المقامات في الصوفية أربعة، هناك مقام النفس ثم القلب فالروح وأعلى درجة هي السر، والفقراء الذين هم في بداية الطريق يرتدون المرقعة الملونة في إشارة إلى أن قلوبهم ونفوسهم تتقلب من لون إلى لون”.
ويضيف مقدم الطريقة، أن ألوان المرقعة ترمز لألوان الوجود، إذ تضم 12 لونا، وتدعى لباس المحبة، إذ تجعل مرتديها يشعر بالحب تجاه الخلق، كيفما كان لونه وعرقه ودينه، إذ لا يكره الصوفي الشخص اليهودي أو النصراني، فإن لم يحببه في الدين، أحبه في الإنسانية والبشرية، مبرزا أن الصوفيين لا يحترمون الإنسان فحسب، بل يكنون الشعور نفسه للحيوان والجماد وكل آيات الوجود.
فقيرات الزاوية
بعد وصول الحشد إلى الزاوية، تدخل النساء إلى مكان خاص بهن، فيما الرجال يجلسون في خيمة كبيرة في شكل مستطيل، يتوسطهم إناء تفوح منه البخور، فيما يجلس الشيخ فوق “منصة”، منهمكا في الأدعية والأذكار، بينما وضعت مكبرات صوت تنقل أدعية الشيخ للفقيرات.
تقول الأستاذة فوزية، وهي فقيرة من فاس، تبدو في عقدها الرابع، في حديث مع “الصباح” ، “جئنا اليوم للقاء شيخنا المربي سيدي محمد فوزي قدس الله سره، التحقت بالزاوية منذ سنتين، قمت ببحث في التصوف وكنت أبحث عن شيخ مربي، ووجدته في الزاوية الكركرية بفضل الله”. وتعلق فوزية على لباسها المزركش قائلة “نحن فخورون بلباسنا، رغم أني كنت في البداية أتساءل هل بإمكاني أن أرتدي هذا الزي، غير أنني اقتنعت في ما بعد، إذ نتدرب بفضله على التواضع والتربية الحسنة”.
وتتحدث الفقيرة ذاتها، عن علاقتها بالشيخ، والحماس والبهجة باديان على محياها “علاقتنا بشيخنا تتجاوز الاحترام، إلى تقدير كبير، لأنه المربي ومطهر النفوس، وبفضله نتجاوز ضعفنا وآفاتنا، وغالبا ما يقول لنا إن الفقير الحقيقي يجب أن يكون صافيا مثل ثوب أبيض خال من الشوائب”، موضحة أنه كلما أتيحت لها فرصة زيارة الزاوية لا تتردد في ذلك، وتجلب أبناءها، رغم أنهم لم يؤدوا جميعهم البيعة للشيخ.
مشاهدات ربانية
تقوم الطريقة الكركرية العلوية الدرقاوية الشاذلية، على منهاج المشاهدة، إذ يقول الشيخ محمد فوزي الكركري، في أحد كتبه المشهورة، “طريقتنا طريقة المشاهدة، من لم يشاهد لست بشيخه وليس بمريدي”، وتكون المشاهدة يقظة، إذ أكد مقدم الزاوية في حديثه مع “الصباح”، وهو جالس على حصير “المشاهدة تكون يقظة كما أنا جالس معكم الآن، فإذا كنتم ترون الآن أمامكم هاتفا وحصيرا، فالصوفي يمكن أن يرى شيئا آخر، ويتعمق المتصوف في النور حسب درجة إيمانه”، مضيفا أن العالم النوراني الذي يعيش فيه المتصوف في خضم الرؤية، يتشكل من بعدين فقط، عكس العالم المادي، الذي يعيش فيه الأشخاص العاديون.
ومن مفاتيح العالم النوراني، الذي يدخله الصوفي بين الفينة والأخرى، السياحة الكركرية، التي ينظمها أهل الزاوية مرة في السنة، وهي طقس مخصص للتأمل في آيات الوجود، إذ يسافرون مئات الكيلومترات على الأقدام بالليل والنهار، في مجموعة كبيرة من المريدين. ويقول غازي، “إن السياحة ذكرت في القرآن “السائحون والسائحات، وسيحوا في الأرض أربعة أشهر”، موضحا أن السياحة ليلا في الخلاء، فيها ذوق لا يتصور، “لأن الشخص حينما يبتعد عن الملذات التي يتمتع بها، من قبيل الفراش والدفء وغيرها يشعر بنعم الله عليه”.
ويفصل غازي حيثيات طقس السياحة قائلا “تكون صيفا، لأن الموظفين لديهم إكراهات دنيوية، إذ نطلب رخصة من السلطة، ونزودهم بأسماء المشاركين، ثم ننطلق مدة 7 أو 10 أيام مشيا بالليل والنهار، وفي الطريق نناول بعضنا سبحة للذكر، كلما أنهى مريد ألف تسبيح يناولها لصديقه، إذ لا يتوقف الذكر طيلة السياحة”، وساح الكركريون في السنة الماضية، من تازة إلى مقر الزاوية بالحويسية”.
طريق “الحق”
من أكثر الأمور إثارة للدهشة في مجلس الكركريين، وجود فئة كبيرة من الأجانب، إذ يكاد عددهم أن يشكل ثلث المريدين، وأغلبهم من فرنسا، ثم الجزائر وأستراليا وأمريكا ودول إفريقية، وتحدثت “الصباح” مع بعض المريدين الأجانب، رغبة في معرفة، سر وجودهم بهذا المكان وتعلقهم بالشيخ وطقوسه، وقال شاب فرنسي يبلغ من العمر 25 سنة، يدعى “فلورون” قبل التحاقه بالزاوية، “كنت نصرانيا في الأصل، واطلعت على البوذية وأديان أخرى، لكن حينما قرأت القرآن شعرت أنه الحق، ووجدت فيه ما لم أجده في الكتاب المقدس، كنت أبحث عن حلقة تربطني بربي، ووجدتها في الزاوية”.
وأضاف فلورون، أنه تعرف على الزاوية عن طريق الأنترنت، “قررت الالتحاق بها ومبايعة الشيخ، وأسلمت على يده، وقرأت الشهادتين، وسماني محمد، الآن أصبحت أرى المشاهدات، وأتذوق القرآن في حياتي اليومية”، مبرزا أنه لم يلتحق بالسلفية أو طرق التدين الأخرى، لأن لا حب فيها، مبرزا أنه قضى خمس سنوات في الطريقة، ثلاث منها لم يغادر فيها الزاوية، لكن في السنتين الأخيرتين، أصبح يتردد على فرنسا لدراسة الطب والعمل.
ليس فلورون وحده من هجر النصرانية إلى الإسلام، بل هناك عشرات القصص، التي يفتخر بها الكركريون، ولعل أبرزها قصة الراهب المسيحي “باسكال”، الذي أسلم في يوليوز الماضي على يد الشيخ، بحضور فقراء من فرنسا وكندا وتونس والإمارات وغيرها، وسماه الشيخ عيسى، بعدما نطق الشهادتين، وعمره يبلغ 56 سنة، وهو فرنسي، بدء دراسته اللاهوتية في سن السادسة، واشتغل رجل دين في فترة الخدمة العسكرية، والتحق بعد ذلك بالكنيسة ناسكا، ثم عمل 15 عاما مساعدا لأسقف ذي توجه أصولي صرف، والذي كان قريبا جدا من البابا “جون بول” الثاني، بابا الكنيسة الكاثوليكية.
طقوس الحضرة والبيعة
يستعد الفقراء لطقوس الحضرة بحجم كبير من البهجة والحماسة، إذ يحاولون إنهاء جميع التزاماتهم بالزاوية، من قبيل استقبال الفقراء الذين يصلون متأخرين، وإعداد البخور وغيرها، لأنه بعد الصلاة سيترفعون عن الواقع، ويغرقون في الذكر والروحانيات، وهم متحلقون حول شيخهم، الذي يحركهم يمينا ويسارا، فهو يحرك يده بطريقة رشيقة، مثل مايسترو فرقة موسيقية كلاسيكية، على نغمات المديح، التي تصدح من مكبرات الصوت، وتتلاشى في سحابة البخور العامة فوق رؤوس الفقراء، الذين يطلقون بين الفينة والأخرى صرخات، بأحد أسماء الله الحسنى، أو عبارات التعبير عن الانشراح والنشوة الروحية، التي تحفزها حركات الشيخ ومساعديه، الذين يدخلون وسط هالته، ويطوفون على الفقراء ويحفزونهم على الإسراع أو الإبطاء في الإيقاع.
بعد الانتهاء من أجواء الحضرة التي تدوم أزيد من ساعة ونصف، والتي تشبه مباراة حاسمة في كرة القدم، إذ لا تأتي صافرة النهاية، إلا بعد أن يصبح جميع الفقراء يتصببون عرقا، ويذرف جزء كبير منهم الدموع، من شدة التخشع، الذي أستأثر بقلوبهم، وأجهد أجسادهم، يدخل الفقراء وأهل الزاوية في فترة استراحة، ويتناولون وجبة العشاء، ثم تأتي المرحلة الحاسمة بعد الاحتفال، وهي البيعة، وتجديد العهد مع الشيخ، التي يعتبرها الكركريون العقدة التي تجمع الشيخ بمريده، فبدونها لا يكون الشخص كركريا، ولا يرتدي المرقعة.
في مرحلة البيعة يكون هناك صنفان من المريدين، الصنف الأول يكون حديث الالتحاق بالزاوية، ويؤدي البيعة بين يدي الشيخ لأول مرة، وصنف آخر يجدد بيعته، وتكون للبيعة طقوس مختلفة عند الكركريين، إذ يجلسون في شكل دائرة في مجموعة فوق عشرة أشخاص، ويمسكون بأيديهم سبحة كبيرة، متصلة بيدي الشيخ أيضا، والجميع جالس القرفصاء، والشيخ يدعو لهم، في جو من الخضوع، قبل أن يقفوا مهرولين لتقبيل يديه ثم الانصراف بعيدا، لتحل مكانهم مجموعة أخرى.
يتحدث مقدم الطريقة، معلقا على علاقة الشيخ بالمريد في الزاوية الكركرية قائلا، “عندما يؤدي المريد بيعته للشيخ أو يقطع معه العهد، – نقول البيعة تجاوزا، لأنها لا تكون سوى للسلطان- يعاهده على أنه سيلتزم بالأوراد والشريعة، من قبيل الصلاة في وقتها، وختم القرآن كل شهر، وقراءة سور ياسين والواقعة وتبارك والملك والفتح، لأنها مقدسة”، وتؤدى هذه العبادات بشكل فردي في غرفة خالية يوميا، قصد ملاقاة الله، ورؤية نوره، في ما يطلق عليه الصوفية “المشاهدات”.

انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق