أصول الطريقة

الخلوة

في اللغة
خَلْوَةٌ : مكان الانفراد بالنفس يختلي فيه المتصوف للتعبد
في اصطلاح الطريقة الكركرية
لزوم قبر الحياة للتجرد من الحِسِّ والسفر إلى عالم المعنى بِزَادِ الإسم مع الإنقطاع الكلي للدخول إلى القلب ومجالسة الرب حتى ينكشف الغطاء ويَتَحَدَّدَ البصر من مَعْدِنِ القِدَمِ
في القرآن الكريم
قال تعالى :فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا ۖ كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا ۖ قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّىٰ لَكِ هَٰذَا ۖ قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ۖ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ
قال تعالى :وَوَاعَدْنَا مُوسَىٰ ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ۚ وَقَالَ مُوسَىٰ لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ
قال تعالى :أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا  إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا
قال تعالى : فَخَرَجَ عَلَىٰ قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَىٰ إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا
في الحديث الشريف
عن عائشة أم المؤمنين ، أنها ، قالت : ” أول ما بدئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم ، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح ، ثم حبب إليه الخلاء وكان يخلو بغار حراء ، فيتحنث فيه وهو التعبد الليالي
ذوات العدد قبل أن ينزع إلى أهله ويتزود لذلك ، ثم يرجع إلى خديجة فيتزود لمثلها حتى جاءه الحق وهو في غار حراء ، فجاءه الملك ، فقال : اقرأ ، قال : ما أنا بقارئ ، قال : فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد ، ثم أرسلني ، فقال اقرأ ، قلت : ما أنا بقارئ ، فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد ، ثم أرسلني ، فقال : اقرأ ، فقلت ما أنا بقارئ ، فأخذني فغطني الثالثة ، ثم أرسلني فقال : (اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الإنسان من علق اقرأ وربك الأكرم
فرجع بها رسول الله صلى الله عليه وسلم يرجف فؤاده ، فدخل على خديجة بنت خويلد رضي الله عنها ، فقال : زملوني زملوني ، فزملوه حتى ذهب عنه الروع ، فقال لخديجة ، وأخبرها الخبر : لقد خشيت على نفسي ، فقالت خديجة : كلا والله ما يخزيك الله أبدا ، إنك لتصل الرحم ، وتحمل الكل ، وتكسب المعدوم ، وتقري الضيف ، وتعين على نوائب الحق ، فانطلقت به خديجة حتى أتت به ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى ابن عم خديجة ، وكان امرأ تنصر في الجاهلية ، وكان يكتب الكتاب العبراني ، فيكتب من الإنجيل بالعبرانية ما شاء الله أن يكتب ، وكان شيخا كبيرا قد عمي ، فقالت له خديجة : يا ابن عم ، اسمع من ابن أخيك ، فقال له ورقة : يا ابن أخي ، ماذا ترى ، فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم خبر ما رأى ، فقال له ورقة : هذا الناموس الذي نزل الله على موسى صلى الله عليه وسلم ، يا ليتني فيها جذعا ، ليتني أكون حيا إذ يخرجك قومك ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أومخرجي هم ، قال : نعم ، لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي  وإن يدركني يومك أنصرك نصرا مؤزرا ، ثم لم ينشب ورقة أن توفي وفتر الوحي .”صحيح البخاري  بَاب بَدْءُ الْوَحْيِ رقم الحديث: 3
قال عبد الله ، حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق الصدوق ، قال : ” إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما ، ثم يكون علقة مثل ذلك ، ثم يكون مضغة مثل ذلك ، ثم يبعث الله ملكا فيؤمر بأربع كلمات ، ويقال له : اكتب عمله ورزقه وأجله وشقي أو سعيد ، ثم ينفخ فيه الروح فإن الرجل منكم ليعمل حتى ما يكون بينه وبين الجنة إلا ذراع فيسبق عليه كتابه فيعمل بعمل أهل النار ، ويعمل حتى ما يكون بينه وبين النار إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل
الجنة.”صحيح البخاري  كِتَاب بَدْءِ الْخَلْقِ  بَاب ذِكْرِ الْمَلَائِكَةِ رقم الحديث: 2988
عن أنس بن مالك ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : ” اطلبوا الخير دهركم ، وتعرضوا لنفحات رحمة الله ، فإن لله نفحات من رحمته ، يصيب بها من يشاء من عباده ، وسلوا الله أن يستر عوراتكم ويؤمن روعاتكم.”شعب الإيمان للبيهقي الثاني عشر من شعب الإيمان بَابٌ فِي الرَّجَاءِ مِنَ … الْفَصْلُ الثَّانِي رقم الحديث: 1081
عن أبي أيوب الأنصاري ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” من أخلص لله تعالى أربعين يوما ظهرت ينابيع الحكمة على لسانه
وواعدنا موسى
قال تعالى :وَوَاعَدْنَا مُوسَىٰ ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ۚ وَقَالَ مُوسَىٰ لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ جرت مشيئة الحق سبحانه أنه إذا أراد أن يكرم عبدا من عباده أن يُوَقِّتَ له ميقاتا حتى يخلصه من شوائب الغفلة و يحرق قلبه بشوق التوبة و الرجوع و الإنابة و الخشوع، فتندثر كدورات البين بنيران الشوق ولهيب الحب فتتلطف حجب الفعل والصفة والميقات هو عين الإسم الباطني الحقاني المسمى الدهر  وهو اسم صفة، قال أبو هريرة رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الله :” يسب بنو آدم الدهر وأنا الدهر بيدي الليل والنهار.”صحيح البخاري  كِتَاب الْأَدَبِ  باب لَا تَسُبُّوا الدَّهْرَ رقم الحديث: 5742
فكانت سُنَّة الميقات لترسم نقطة أَوَّلِيتك وتتبين سر خلافتك، أما الحق سبحانه فجَلَّ عن الزمان والمكان، سبحانه لا بداية له ولا نهاية ولا أولية و لا آخرية وكيف يكون لربنا ميقات وهو عين الدهر؟ وإنما لكل نفس وقت كشف وظهور وهيبة وحضور حسب قسمة المشيئة في الأزل، حتى تتخمر طينته وتنبت في أرض وجوده شجرة رضوان البسط، فتثمر له عجائب أسرار الجمال والكمال، فَيَهِيم بنعت الشوق في سماء الوحدانية ويسبح سره في هوية الحقية ، فيتلاشى بين القبض والبسط و الجمال والجلال
قال سيدي ابن الفارض قدس الله سره
حتّى إذا ما تَدانَى الميقاتُ
     في جمعِ شمل

صارتْ جباليَ دكَّاً
     منْ هيبة ِ المتجلِّي                       

ولاحَ سِرٌّ خَفيٌّ
     يَدْريهِ مَن كانَ مِثْلي                       

فالمَوتُ فيهِ حياتي
                           وفي حَياتي قَتلي                       

أنا الفقيرُ المُعَنّى
     رِقُُّوا لِحَالي وذُلّي                       

عِدَّة الحق للعبد شريفة منيفة ميقاتها ساعة الحب ومكانها طور الشوق يجتمع فيها الأحباب بنعت قُدْسِية الوِتْرِ فتعال مريدي لميقاتنا بلا أنت، تعال عندما لا يبقى فيك منك شيء، عندما تكون فانيا في حضرتنا باقيا بقدسيتنا، ناظرا إلينا بهيبة الجلال ورِقَّةِ الجمال قد انمحق اسمك في اسمنا ورسمك في رسمنا كُلُّكَ لي وبعضك لي, عند ذاك تعثر عَلَيَّ، نعت الجلال سيرسم الطريق، ورسم الجمال يضيئه لك، ستجدني في انتظارك مشتاق إليك أكثر مما أنت مشتاق إلي، لأنك بعضي وأنا كُلُّك
 قال سيدي أبو اليزيد: “دعوت أبا اليزيد إلى الله فأبى، فتركته وذهبت إلى الله
قال سيدي ابن عربي قدس الله سره
لنفسي أحباب تواصوا بكلّ مـا       تواصى به أهــــل المحبّة و السرّ
تواصوا بذكر اللّه في كـلّ لحظة        فأفناهم المذكــور عن حضرة الذّكر
فلمّا فنـوا عن كلّ ما هو كائن         ولم يأنسوا شيئــا سوى ليلة القدر
تبدّل جمع القوم وتــرا مقدّسا          فصـار خطاب الوتر يسري إلى الوتر
الفصل و الوصل
سر المعرفة برزخ بين الشيء و ظله بين النفي و الإثبات بين الحضور والغيبة بين نعم و لا، و الإنسان قد جمع مظهر الضدين لذلك كان مجلى الفصل والوصل ، وقد قال تعالى : لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ فأحسن
التقويم هو الوصل الخالص، وأسفل السافلين هو الفصل الخالص ، فالفصل إذن هو مظهر السُّفْلِ والوصل هو مظهر العلو، وهما مستلزمان لبعضهما والعلاقة بينهما جدلية، فلا وصل إلا بعد الفصل ولا فصل إذا لم يكن هناك وصل و قد نفخ الحق في الإنسان من روحه ثم ابتلاه بالنفس وجعل لكل منهما جندا و عُدَّةً و عتادا، و في الحكم “النور جند القلب كما أن الظلمة جند النفس فإذا أراد الله أن ينصر عبده أمده بجنود الأنوار و قطع عنه مدد الظلم و الأغيار
قال تعالى :اللّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّوُرِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْلِيَآؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُوْلَـئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ
فالنور سر الوصل و مظهر الولاية التي يتولى بها الحق عبده ، أما الظلمة فهي مقام الفصل الطاغوتي وجنده ، قال حذيفة : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، يقول : ” تعرض الفتن على القلوب كالحصير عودا عودا ، فأي قلب أشربها نكت
فيه نكتة سوداء ، وأي قلب أنكرها نكت فيه نكتة بيضاء ، حتى تصير على قلبين على أبيض مثل الصفا ، فلا تضره فتنة ما دامت السماوات والأرض والآخر أسود مربادا كالكوز مجخيا ، لا يعرف معروفا ، ولا ينكر منكرا ، إلا ما أشرب من هواه
صحيح مسلم  كِتَاب الإِيمَانِ  بَاب بَيَانِ أَنَّ الإِسْلَامَ بَدَأَ غَرِيبًا وَسَيَعُودُ. رقم الحديث: 211
فكل نكتة نورانية تثمر وصلا ولائيا بالحق فإذا تواصلت من غير انقطاع أثمرت قلبا صفيا نورانيا حقيا، فكما استوى اسم الرحمن على العرش استوى اسم الجلالة الله على قلب المؤمن
و كل نكتة فَصْلِيَّة تثمر فصلا و بُعْداً فإذا تواصلت أثمرت زقوما و شجرة خبيثة طلعها كأنه رؤوس الشياطين
وإشارة لذلك قال تعالى :فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللّهَ مُبْتَلِيكُم بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلاَّ مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُواْ مِنْهُ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ قَالُواْ لاَ طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنودِهِ
قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاَقُو اللّهِ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللّهِ وَاللّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَأوُدُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ
وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ
و قبل شرح الآية أضع بين يديك قاعدة شُدَّ عليها بالنواجذ، فإذا طبقتها ونسختها على نفسك أثمرت لك الفهم في كتاب الله عز وجل والغوص في معانيه واستنشاق دقائق أسراره
و القاعدة هي: “لا تخرج من قبرك”، أي لازم جسدك فقد انطوى فيك كل الكون ومعانيه ونسخت فيك كل الأسماء و أسرارها، فأنت مظهر الضدين وبرزخ البحرين وسيد الدارين، فلا تحسب نفسك جرما صغيرا فقد انطوى فيك العالم الأكبر
قلنا
فلما فصل طالوت الروح بجنوده ابتلاهم الحق بنهر الشهوات الفصلي السفلي فقالت الروح لجنودها (إن الله مبتليكم بنهر فمن شرب منه فليس مني) أي ليس من عالم الروح والكشف ( ومن لم يطعمه فإنه مني) أي من عالمي فله أنواري وتجلياتي (إلا من اغترف غرفة بيده) على قدر ما تسمح به الحكمة وسنة التدرج
(فشربوا منه) أي أعوان النفس ومن كتب عليه الفصل للمناسبة القوية بينهم وبينه فعَيْنُ النهر الطبيعة الجسمانية ، (إلا قليلا منهم) وهم العقل والقلب ومن تبعهم من الحواس فتجاوزوا وادي الطاغوت وظلماته فنفخت فيهم الروح عين اليقين فقالوا
( كم من فئة قليلة غلبت فئة كبيرة بإذن الله والله مع الصابرين ) فلما برزوا لجالوت العدو وهو النفس الأمارة بالسوء وجنوده ( قالوا ربنا ) أفرغ علينا صبر العارفين وثبت أقدامنا في ديوان الصالحين (فهزموهم بإذن الله) فقتل داود العقل
حس شهوة جالوت النفس وملك زمام أمرها ، فتملك أرضه الجسمانية بسر السماء الروحاني وملك القلب جنود الأطراف والحواس فعلم  حقيقة ذاته بذاته

الجمع
في اللغة
جَمَعَ المتفرق : ضم بعضه إلى بعض
في اصطلاح الطريقة الكركرية
عين الحقيقة القرآنية المجملة القائمة بمظاهر العدم والوجود ، حيث تَكِّل العبارة وتنمحي الإشارة وتتلاشى النعوت و الأوصاف وتَنْهَدُّ فروق البَيْنِ وتُطْوَى المَعِيَّة والأين ، فيفنى الفناء ويُشْهَدُ الحق بلا خلق
الجمع هو ضم البعض لِلكُلِّ و إلحاق الفرع بالأصل، حتى تتحقق  رؤية الحق بالحق ، وتُبْصَرَ تجليات جمال صفاته وأسمائه سارية في أَسِّ أغصان الفرق، فترى الواحد ساريا في مراتب الأعداد ، والألف ساريا في مراتب الحروف ، فعند ذلك تراه في كل
شيء تراه فيفنى الرسم في عين بقائه ويتلاشى في أصل وجوده فيرجع الفَتْقُ إلى رَتْقِيَّتِه
قال تعالى :أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا ۖ وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ ۖ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ
أي أولم ير الذين ستروا (لأن الكفر هو الستر) الحقيقة العينية وهي التعين الذاتي الأول أن السماوات الروحية والأراضي الجسمية كانت رتقا هيوليا خال من كل تعين أو اعتبار ففتقناهما بالوحدانية المُظْهِرَة للتكثرات الوهمية وجعلنا من ماء غيب الألوهية كل شيء حيا بميزان قسطاس العدل الأسمائي الذي يعطي لكل إسم نسبته الأثرية فمقام الجمع أصل من أصول التربية عند القوم فمن لا جمع له لا شهود له ومن لا شهود له لا معرفة له فرد السماوات السبع و الأراضين السبع  والكرسي والعرش المفتوقة إلى رَتْقِيَّتِهَا أصل من أصولنا حتى يتبين المريد شؤون الواحد في مراتب الأعداد فيشهد به أفعال الحق في مراتب أفعال العباد فلا يرى فعلا إلا له سبحانه فعند ذلك يشهد الأغيار بالله فيظهر الإسم و أحكامه و ينمحي الرسم و أوهامه، وتتحدث الأواني بلسان الأبد، فَتُشْهَدُ الوحدة في عين الكثرة و تنجذب بصيرة الروح في مشاهد جمال القدم ، فيعلم أن الكثرة لا وجود لها في ذاتها وإنما ظلال زائلة ، فيشهد الشيء قائما بالمعنى الذاتي لا بنفسه ويفنى الإحساس بما سوى الله فيغيب في بحر الهوية

الطي
في اللغة
طَواه : لَفَّ بعضه فوق بعض
في اصطلاح الطريقة الكركرية
جمع كتاب مظاهر أكوان الطبع النفساني ومَحْوُهَا بسِجِلِّ حقائق العَيَانِ الروحاني
قال تعالى :يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ ۚ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ ۚ وَعْدًا عَلَيْنَا ۚ إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ
يقول الحقّ جلّ جلاله: واذكر ( يوم نَطْوِي السماءَ )، وذلك يوم الحشر والناس في الموقف، فتجمع وتُكوّر وتُطوى ( كطَيِّ السِّجِلِّ )، الصحيفة ( للكتاب ) أي: لأجل الكتابة فيها؛ لأن الكاتب يطوي الصحيفة على اثنين؛ ليكتب فيها
فاللام للتعليل، أو بمعنى ” على “، أي: كطي الصحيفة على الكتابة التي فيها، لتُصان، وقرأ أبو جعفر: ” تُطوى “، بالبناء للمفعول. وذلك بمحو رسومها وتكوير نجومها وشمسها وقمرها. وأصل الطي: الدرج، الذي هو ضالنشر
وقرأ الأخوان وحفص: ( للكُتُبِ ) بالجمع، أي: للمكتوبات، أي: كطي الصحيفة لأجل المعاني الكثيرة التي تكتب فيها أو كطيها عليها لتُصان.”تفسير البحر المديد في تفسير القرآن المجيد/ ابن عجيبة ج4 ص387
لا بد للمريد من طَيِّ كتاب أوهامه النفسانية ونسيان ما علم وما جهل بسِجِلِّ المعنى النوراني الرباني فلا تَفَتُّحَ لسموات الأسرار ولا دخول لجنة المعاني والمعارف حتى  يلج جمل نفسه في سم خياط روحه قال تعالى :إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّىٰ يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ ۚ
قال سيدي العلوي قدس الله سره
فاذكر الاسم الأعظم واطوي الكون تغنم
     وخض بحر القدم فذاك بحر الله                                     

وخض بحر الأنوار والمعنى والأسرار
                       وافني هذي الديار يبلغ قلبك مناه                                    
 والطي ينقسم إلى طي زماني وطي مكاني وطي يجمعهما، فالطي المكاني أرضي و الطي الزماني دهري، و ليسا هما المقصودان في بعض كتب القوم إذ منهم من يتحدث عن الطي الحسي أما الذيْن قسمناهما فَهُمَا من الطي المعنوي
فالأرض الجسماني محل انطباع الأسماء والزمان الدَّيْهُورِي محل انطباع الصفات فإذا طوى المريد الصفة في الإسم و الإسم في المسمى تجلت له واحدنية الحق وبدا له نجم الوجود الكلي، فتنهد أركان نفسه وتزلزل أرض وجوده فتُخْرِج أثقال معارفها
وتُحَدِّث عن أخبار أسرارها ،  فعندئذ تُجْمَعُ كتب النفس في سِجِلِّ الروح ويعود المريد إلى أولية أمره فيظهر له غيبه وتنجلي له أسراره فيفقه معنى حيث كان الله ولا شيء معه
قال سيدي عبد الرحمن الشاغوري رضي الله عنه
رفعت أستار البين وبدت أنوار العــين     تنجلي من غير أين فاشهودها يا صوفيــه
أنا مرآة حبيبي في هواه روحي طيــبي      عن سواه نفسي غيبي واطرحي الاشيا الردية
 مذ بدا ذي المشاهد صرت راكعا وساجد      شاكرا له وحامد إذ طـواني في الهويـــه
وفي الحكم:”الطَّيُّ الحَقيقيُّ أَنْ تَطْويَ مَسافَةَ الدُّنْيا عَنكَ حَتى تَرى الآخِرَةَ أَقْرَبَ إِليْكَ مِنْك
وهذا هو الطي المطلوب أن تطوى عنك نفسك برغباتها و شهواتها و مستلزماتها فتزهد في الدنيا ثم تطوى عنك الدنيا ببهرجتها و زينتها وخيلها و رجلها فترى الآخرة أقرب إليك منك، بل و تطوى لك الآخرة بجنانها و قصورها و حورها فحينئذ ها أنت وربك
الجمال
في اللغة
الجَمَال: صفة تلحظ في الأشياء وتبعث في النفوس سروراً أوإحساساً بالانتظام والتناغم، وهو أحد المفاهيم الثلاثة التي تنسب إليها أحكام القيم: الجمال والحق والخير
في اصطلاح الطريقة الكركرية
هو تجلي حسن الذات بمظهر الأسماء و الصفات، و إشراق نور المحبوب على عين قلب العبد حتى لا يرى في الوجود إلا جمال الحق فلا يرى و لا يسمع ولا يتحرك و لا يسكن إلا به، فعند ذلك يرتفع حكم القبح باعتبار النسبة قال تعالى :قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ۖ فَمَالِ هَٰؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا ، فإذا تلاشت النفس في حضرة الحق لبس الكون حلل نور الجمال الإلهي فعند ذلك يتبين أن القبح ما هو إلا حكم اعتباري، وأن القبيح في عين هذا هو نفسه قمة الحسن في عين ذاك ، فعند ذلك يبقى الكل من الله
الجمال هو مظهر الرحمة والرأفة، و بفضل هذه الرحمة سرى الجمال الإلهي الذي هو سبب خلق الخلق و هو جوهر الجمال وعين الكمال
والجمال ينقسم إلى قسمين
جمال مطلق
وهو جمال الله المتمثل بكماله وسره الخفي الذي يبحث عنه كل طالب للعشق الإلهي من حيث الحقيقة لأنه بفضل هذا الجمال صار الإنسان خليفة الله في أرضه فهو مخلوق على صورة الجمال الرحمانية وفي الحديث الشريف روى البخاري عن أبي هريرة
عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:”  خلق الله آدم على صورته ، طوله ستون ذراعا ، فلما خلقه  قال : اذهب ، فسلم على أولئك النفر من الملائكة جلوس ، فاستمع ما يحيونك ، فإنها تحيتك وتحية ذريتك ، فقال : السلام عليكم ، فقالوا
السلام عليك ورحمة الله ، فزادوه ورحمة الله ، فكل من يدخل الجنة على صورة آدم ، فلم يزل الخلق ينقص بعد حتى الآن.”صحيح البخاري  كِتَاب الِاسْتِئْذَانِ  بَاب بَدْءِ السَّلَامِ رقم الحديث: 5788
فالجمال الكامل في الإنسان الكامل لأنه جمال علم الأسماء وهو جمال صفة الحق الأزلية شاهده الحق في ذاته مشاهدة نورانية فأظهر فيها الإنسان الكامل كمرآة شاهد من خلالها جماله
فالعالم كله تعبير عن جمال الحسن المطلق بصفة الإجمال ، و في الحقيقة القبيح منه مليح والمليح منه مليح ، إذن فالكل مليح لأنه مجلى الجمال الإلهي
فمن كان هذه نظرته، مع تأمل وتفكر في جمال الكون وصل إلى المُكَوِّن لأنه مظهر الحق، فعند ذلك ينقلب القبيح حسنا، فعشق جمال الشيء يوصل إلى خالق الشيء
الجمال المقيد
 هو جمال الشيء لتقيد آنيته ، فإذا زال الشيء زال حبه ، وإذا تغير الشيء تغير مقدار حبه ، لأن الشيئية ظل زائل أما الجمال الإطلاقي الباطني فثابت غير متغير و إنما يشتد ظهوره مع صفاء مرآة القلوب فينعكس جمال الإله فيه ، وبرؤية الجمال
الحقيقي يهيم العاشق الهيام الحقيقي في الجمال الحق
و هنا تختلف مراتب الهيام على حسب انجلاء و صفاء مرآة القلب، فهناك من ينظر جمال الحق قبل جمال الشيء، وهناك من ينظر جمال الشيء ثم جمال الحق، وهناك من ينظر جمال الحق و الشيء في آن واحد، و هناك من ينظر جمال الحق فقط و هو خيرهم و لا ذنب على من قبله
قال سيدي ابن عطاء الله:”الحقُّ ليسَ بمحجوبٍ، وإنَّما المحجوبُ أنْتَ عن النَّظرِ، إذ لو حَجَبَهُ شيءٌ لسَتَرَه ما حَجَبَهُ، ولو كان له ساترٌ لكانَ لوجودِهِ حاصرٌ، وكلُّ حاصرِ لشيء فهو لَهُ قاهِر
فما حجبك عن رؤية جماله إلا وهمك فغب عنك تجده أقرب إليك من نفسك، قد تجلى ظاهرا بنوره
وخَرَّ موسى صعقا
في اصطلاح الطريقة الكركرية
الصعق هو أن تفنى عنك بك لك، فلا يزيغ بصرك عن سرك، ولا يطغى على حقيقة ذاتك
ولله در القائل
جَمْعُ العَوَالِمْ رُفِعَتْ عني       وَضَوءُ قَلْبِي قَدْ اسْتَفَاقْ
لَقَدْ تَجَلَّى مَا كَانَ مَخْبِي      وَالكَوْنُ كُله طَوِيتُ طَيّ
مِنِّي عَلَيَّ دَارَتْ كُؤُوسِي      مِنْ بَعْدِ مَوْتِي تَرَانِي حِيّ
قال تعالى :وَلَمَّا جَاءَ مُوسَىٰ لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ ۚ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَٰكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي ۚ فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَىٰ صَعِقًا ۚ فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ
“جاء موسى مجيء المشتاقين مجيء المهيَّمين، جاء موسى بلا موسى، جاء موسى ولم يَبْقَ من موسى شيءٌ لموسى
آلافُ الرجال قطعوا مسافاتٍ طويلة فلم يذكرهم أحد، وهذا موسى خطا خطواتٍ فإلى القيامة يقرأ الصبيان: ( وَلَمَّا جَآءَ مُوسَى? ).”تفسير لطائف الإشارات / القشيري ج1 ص564
و لما  تم الميقات سكنت عنه أمواج أحاديث النفس و تَنَقَّت دوائر السمع من تَقَيُّدَاتِ حروف الحَدَثِ، خُلِعَت على الكليم خَلْعَة “كنت سمعه الذي يسمع به”  فلا يسمع كلام القدم إلا بسمع القدم
والكليم عليه السلام يَحِنُّ إلى قدسيات الوادي حيث أغرقه طوفان الأبد في بحر الأزل وجَرَّهُ مَسِيلُ القِدَمِ إلى واد طُوَى حيث خلع النعلين
فلما تم الميقات ودقت ساعة الفناء، سَطَت على موسى لذائذ وصال العشق و سمع حلاوة الخطاب فتلاشى من هَيْبَة الجلال وعرج بِسِرِّه إلى سدرة الأحباب من عِزَّةِ السَّمَاع و الجمال
فلما غلب علية السكر والوجد سأل الرؤية والسكران لا يعاتب ولا يلام، فَأَرْيَحِيَّةُ البَسْط تَهْتِك سِتْر الحَيَاء، وحُشَاشَةُ الخمر تُسْقِطُ رسوم الأدب
ولله در سيدي أبو مدين قدس الله سره إذ يقول
فإنا إذا طبنا وطـابت نفوسـنا        وخامـرنا خمـر  الغـرام تهتكنا
فلا تلم السكران في حال سكره        فقد رفع التكليف في سكـرنا عنا
فقال “أرني” فسأل خِلْعَةَ الرؤية لكن عِزَّة الجمع أَبَتْ سؤال الفرق فردت بالنفي في مقام التنزيه الطَّورِي وبالنفي في مقام التشبيه عندما سأل صحبة سيدنا الخضر
و جواب الحضرة الأزلية بلن عِلَّتُه كَيْنُونَة نُعُوتِ البَيْنِ وصفات الأَيْنِ فإن حقائق الوحدانية وعزة الألوهية تأبى ذلك
ولكن انظر إلى واسطة الجبل الأَيْنِيَّة فإن ثبت في أَيْنِهِ بعد التجلي فأنت كذلك تثبت فتجلى للجبل من ظل سَمِّ خِيَاطِ حكمة الربوبية إذ لو كشف قدر أنملة من الحجاب لأحرقت سبحاته كل الأين و في الحديث  عن أبي موسى ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” إن الله لا ينام ، ولا ينبغي له أن ينام يخفض القسط ويرفعه ، حجابه النور لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه كل شيء أدركه بصره.”سنن ابن ماجه  كِتَاب ابْنُ مَاجَهْ  أَبْوَابُ فِي فَضَائِلِ أَصَحَابِ رَسُولِ اللَّهِ.. بَاب فِيمَا أَنْكَرَتْ الْجَهْمِيَّةُ رقم الحديث: 192
فلما تجلت الربوبية للجبل طار في سماء الجبروت واندك في نفسه وخر موسى صعقا لهيبة المقام
قال الششتري رضي الله عنه
الخلق خلقكم والأمر أمركم
     فأي شيء أنا لكنت من ظلل                               

ما للحجاب مكان في وجودكم
     إلا بسر حروف أنظر إلى الجبل                                 

أنتم دللتم عليكم منكم ولكم
     ديمومة عبرت عن غامض الأزل                               

عرفتم بكم هذا الخبير بكم
     أنتم هم يا حياة القلب يا أملي                             

فأدركته عناية الأزل المُتَنَزِّلَة في اجتباء الأبد فنفخت فيه من حقائق الذات فلما أفاق نَزَّه الحق عن معالم الحدوث، فقال (سبحانك) وتذكر تَهَتَّكَات السُّكْر عند الصحو، فقال (تبت إليك وأنا أول المؤمنين
قال سيدي ابن عجيبة قدس الله سره
“رؤية الحق جائزة واقعة عند الصوفية في الدارين، ولكن لا ينالها في هذه الدار إلا خواص الخواص، ويُعبّرون عنها بالشهود والعيان، ولا يكون ذلك إلا بعد الفناء، وفناء الفناء بعد موت النفس وقتلها، ثم الغيبة عن حسها ورسمها، تكون بعد التهذيب
والتدريب والتربية على يد شيخ كامل، لا يزال يسير به ويقطع به في المقامات، ويغيبه عن نفسه ورؤية وجوده، حتى يقول له: ها أنت وربك، وذلك أن الحق جل جلاله تجلى لعباده بأسرار المعاني خلف رداء الأواني، وهو حس الأكوان، فأسرار
المعاني لا يمكن ظهورها إلا بواسطة الأواني، أو تقول: أسرار الذات لا تظهر إلا في أنوار الصفات، فلو ظهرت أسرار الذات بلا واسطة لاضمحلت الأشياء واحترقت، كما في الحديث: ” حِجَابُهُ النُّورُ، لَو كشَفَهُ لأحرقَت سُبُحَاتُ وَجههِ ما انتَهَى إلَيه بَصَرُهُ من خلَقِهِ
فالمراد بالنور نور الصفات، وهو الأواني الحاملة للمعاني، لو كشف ذلك النور حتى تظهر أسرار الذات لأحرقت كل شيء أدركه بصره. والواسطة عند المحققين هي عين عين الموسوط، فلا يزال المريد يفنى عن عين الواسطة في شهود الموسوط حتى يغيب عن الواسطة بالكلية، أو تقول: لا يزال يغيب عن الأواني بشهود المعاني حتى تشرق شمس العرفان، فتغيب الأواني في ظهور المعاني، فيقع العيان على فقد الأعيان، ” كان الله ولا شيء معه، وهو الآن على ما عليه كان ” ، ” ما حجبك عن الحق وجود موجود معه، إذ لا شيء معه، و إنما حجبك توهم موجود معه
و الحاصل: أن الحق تعالى تكون رؤيته أولاً بالبصيرة دون البصر، لأن البصيرة تدرك المعاني، والبصر يدرك الحسيات، فإذا انفتحت البصيرة استولى نورها على نور البصر، فلا يرى البصر حينئذٍ إلا ما تراه البصيرة.”تفسير البحر المديد في تفسير القرآن المجيد/ ابن عجيبة ج2 ص391/392

مقالات ذات صلة

‫2 تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

إغلاق