تعطش الإنسان للحقيقة

الحكماء الطبيعيون (قبل ظهور مصطلح :فلسفة)

     تعاقب مجموعة من الحكماء قبل ظهور من أطلقوا على أنفسهم “فلاسفة”، وقد سمي هؤلاء بالحكماء لأنهم أرادوا فهم الكون فهما عقليا لا أسطوريا، وقد أطلق عليهم الطبيعيون بالنظر إلى الموضوع الذي كانوا يعالجونه، وهو الطبيعة، فكان سؤالهم: ما أصل الكون؟ وما المادة التي يتكون منها؟
    قبل ظهور هؤلاء الحكماء كانت الحضارة اليونانية تتخبط في التفسيرات الخرافية للكون، وتنتشر عبادة الأوثان والآلهة الوهمية، سنقتصر طبعا على إعطاء فكرة عامة عن هذه الآلهة، والحاجة التي دعت إلى تمثلها وعبادتها. فقد كان الخوف والضعف أمام الطبيعة دافعا أساسيا للاحتماء بالقوي الكامل ولو كان وهميا، لذا وجدت في كل مدينة يونانية آلهة خاصة بها، وكذا ديانات ومعتقدات تختلف من مدينة إلى أخرى، لن نسرد طبعا كل تفاصيل هذه المعتقدات ولا كل أسماء هذه الآلهة الوهمية، بل سنقتصر بمثال واحد فقط لذلك، فنترك للقارئ المجال لتصور باقي المعتقدات في ضوء هذا المثال
    يخص هذا المثال أسطورة كانت منتشرة في العالم القديم (القرن 6 قبل الميلاد) حول إله يسمى ديونيسيون، وهو ابن تزوس، فقد وهب تزوس لابنه ديونيسيون السلطة المطلقة على العالم، مما أثار غيرة زوجة أبيه (هيرا)، والتي دفعتها غيرتها هذه إلى أن تحرض آلهة أقوياء على ديونيسيون، فكان يواجههم من خلال تغير صوره، إلى أن تحول في إحدى المرات إلى ثور، فقتلوه وقطعوه وأكلوه، لكن تدخلت الإلهة بلاس فأخذت  قلبه، مما سمح لديونيسيون بأن يبعث من جديد من خلال هذا القلب، وقد كان أبوه تزوس قد صعق الآلهة الأشداء، فخرج من رمادهم الإنسان
   من خلال ذلك، فالإنسان مركب من عنصرين: عنصر الخير المكون من دم ديونيسون، وعنصر الشر المكون من رماد الآلهة الشريرة، وقد كان الشر متعلقا بالجسد، والخير متعلقا بالنفس، لذلك اعتبر الجسد سجنا للنفس
   على الرغم مما قد تبدو عليه هذه الأسطورة من سخافة وسذاجة، إلا أنها كانت معتقدا راسخا في ظل غياب نور يهدي ويرشد الإنسان إلى الحقيقة، فالإنسان لم يخلق ليعيش كالحيوان، ليأكل ويشرب وينام فقط، لذلك ما فتئ يحاول تفسير ما يحيط به ولو تطلب الأمر نسج أساطير خيالية، وللإشارة فإن المدن التي اعتبرت موطن هذا الإله أو ذاك كانت تحج إليها جموع الناس من مختلف البقاع للتعبد والتقرب
   في ظل هذا الوضع، ظهر الحكماء الطبيعيون، الذين حاولوا نقل الإنسان من هذا النمط من التفكير الأسطوري، إلى التفكير المؤسس على العقل، سوف نقتصر على بعض أفكارهم فقط، والمتعلقة أساسا بأصل الكون، والمادة التي يتكون منها
الحكيم طاليس
الماء أصل الكون
   رأى طاليس أن الماء هو المادة الأولى، أو الجوهر الذي تشترك فيه جميع الأشياء، فكل الأشياء كانت في البداية ماء، حتى التراب، بل حتى النار، ولما كان الأمر كذلك، فإن الأرض انبثقت من الماء، فأصبحت قرصا كبيرا يعوم فوق بحر عظيم.
   لقد كان طاليس يعتقد أن كل المواد حية، لأنها تتكون من الماء، وهذه القوة الحيوية حاضرة دائما رغم عدم ظهورها في بعض الأحيان (في الأجسام الجامدة مثلا)، وقد كان يفسر حركة الأجسام بتوفرها على نفس تحركها، أي أن النفس هي مبدأ الحركة، فالعالم حسبه مملوء بالآلهة النفوس
   ولعل لهذه الأفكار آية كريمة تدعمها، وردت في سورة الأنبياء، وهي الآية 30 “وجعلنا من الماء كل شيء حي”. مع الإشارة إلى ان هذه الاية تقتصر على ربط علاقة الماء المادة الحية، وطاليس قد عمم الحياة على كل انواع المواد، وهو ما سينفيه العلم فيما بعد. وقد اعتبر طاليس بهذه الأفكار أول فيلسوف في التاريخ
الحكيم أنكسيمندر
أصل الكون لا متناهي
   رفض أنكسيمندر فكرة أستاذه طاليس، فاعتبر أن الماء لا يمكن أن يكون أصلا للكون، لأن تحول الجامد إلى سائل (تكون الماء) يقتضي وجود الحرارة وكذا البرودة، بالتالي فالحرارة والبرودة سابقان في الوجود على الماء، لذلك رأى أنكسيمندر أن أصل الكون لا متناهي، أي أنه غير متناهي من حيث الكيف، لأنه غير متعين، ولا متناهي من حيث الكم لأنه غير محدود، فالمادة الأولى في الكون هي مزيج من جميع المواد، وهي غير موجودة بالفعل (موجودة بالقوة)، تجمع كل الأضداد، كالحار واليابس والرطب …، وقد انفصلت هذه الأضداد عن بعضها بسبب حركة المادة، فالحركة أدت إلى انفصال الأضداد عن بعضها البعض، وتشكلها بمقادير وكيفيات مختلفة لتتكون الأشياء، وأول ما انفصل الحرارة والبرودة، فتصاعد البخار بفعل الحرارة كون الهواء،  وهكذا إلى أن تكونت كل الأجسام
   أما المادة الحية فقد تكونت من طين البحر، الذي يحتوي على الماء والهواء والتراب، فكانت هذه المادة في الأصل سمكا مغطى بقشرة شائكة
   أما ظهور الأشياء واختفاءها فهو تلك الحركة النابعة من وإلى اللامتناهي، أي أن الأشياء تنبثق من اللامتناهي وتعود إليه، والمادة اللامتناهية تبقى كما هي، ليست حادثة ولا مندثرة أزلية أبدية
   هكذا رأى أنكسمندر أن الأشياء تظهر وتختفي بطريقة آلية، دون غاية محددة
   سنكتفي بهذين النموذجين من الحكماء الطبيعيون، بعدما ثبت لنا من خلالهما أن هؤلاء حاولوا أن يفسروا الطبيعة تفسيرا عقليا، انطلاقا من ملاحظتهم لمكوناتها، وهو الأمر الذي اعتبر في تاريخ الفلسفة تمردا على التفكير الأسطوري، ونقلة نوعية في تاريخ الفكر البشري، ومهما كانت أفكار هؤلاء الحكماء مجانبة للصواب، تبقى لها أهميتها كنقطة انطلاق العقل في مسيرة اقتحامه لأغوار الطبيعة واكتشاف أسرارها.

 بقلم: الفقير الأستاذ إدريس الرباطي

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.