دروس كتابية

الحقيقة والطريقة والشريعة…أية علاقة؟

بسم الله الرحمان الرحيم، الحمد لله الذي بعث رسله وأنبياءه مبشرين ومنذرين، وجعل أولياءه باعثين لروح الدين، وجعل شريعته مسلكا آمنا للمسلمين، وأعز حقيقته وخص بها عباده المخلصين
وصلي اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد النبي الأمين، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وصحابته أجمعين، ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين
قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: “خط لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما خطا ثم قال: هذا سبيل الله، ثم خط خطوطا عن يمينه وعن شماله ثم قال: هذه سبل على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه، ثم تلا: “وَأَنَّ هَٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ۚ ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ” الآية 153، سورة الأنعام
سيكون هذا الحديث منطلقا لنا لنتناول في هذا الدرس الثاني من سلسلة “التعريف بالتصوف” ثلاثة من المفاهيم الأكثر تداولا في مجال التصوف، وهي الشريعة والحقيقة والطريقة، فنبرز بحول الله وقوته الفرق بينها، وعلاقة بعضها ببعض
فالحديث يشير إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم قد رسم سبيلا وحيدا مؤديا إلى الله، وسبل متعددة تبعد عنه سبحانه، لذلك كان البحث عن علامات سبيل الله من الأمور الواجبة على المسلم الذي يصبو إلى تحقيق نجاته، ويبتغي رضا ربه جل وعلا
كنا قد تحدثنا في الدرس السابق عن الفرق بين الإسلام والإيمان والإحسان، وقلنا بأن الإسلام عمل بالجوارح، والإيمان تصديق بالقلب، والإحسان مقام مراقبة ومشاهدة. وسنسير على نفس التقسيم أيضا في تحديد المفاهيم الثلاثة المذكورة أعلاه، وذلك لأنها ترتبط بها ارتباطا وثيقا، فالشريعة تمثل الإسلام، والطريقة تمثل الإيمان، والحقيقة تمثل الإحسان، أي أن الطريقة تؤهل المؤمن من الشريعة إلى الحقيقة، أي من العمل بالجوارح إلى بلوغ ثمرة الدين وروحه، فكما أن الجسد بلا روح هو جثة هامدة، كذلك الشريعة بدون حقيقة هي عبادات جوفاء لا حياة فيها، ولا أثر لها على القلب
وبهذا تكون الشريعة أساس، والطريقة وسيلة، والحقيقة ثمرة وغاية، فتعد هذه المراتب بهذا المعنى مراحل ينتقل فيها العبد من الإسلام إلى الإيمان، ومن الإيمان إلى الإحسان، وكما أن بلوغ القمة بدون المرور عبر القاعدة أمر محال، كذلك فإن بلوغ الحقيقة بدون الالتزام بالشريعة أمر محال وفي هذا يقول الإمام مالك رضي الله تعالى عنه: ” من تصوف ولم يتفقه فقد تزندق، ومن تفقه ولم يتصوف فقد تفسق، ومن جمع بينهما فقد تحقق
فمن تصوف ولم يتفقه هو ذلك الذي يحاول النظر إلى الحقيقة مجردة عن الشريعة، فيبطل الحكمة من الشريعة، كمن يقول بالجبر مثلا. ومن تفقه ولم يتصوف فلم يبلغ ثمرة الالتزام بالشريعة، ولم يعرف نور التقوى والإيمان منفذا لقلبه، أما من جمع بينهما فقد جمع أركان الدين، فكان ملتزما بشرع الله، ومدركا للحكمة والغاية منه
إن الجمع بين أركان الدين لا يتأتى للعبد من تلقاء نفسه، فلابد له ــ بعد توفيق الله ــ كما أسلفنا من الحلقة الوسطى التي تجمع بين حلقتي الشريعة والحقيقة، وهي الطريقة التي بها يتخلص العبد لا من الذنوب الكبيرة منها والصغيرة فقط، بل ومن أمراض القلب وحواجز النفس التي تحول دون بلوغ الحقيقة، وكيف يتأتى ذلك دون تسليم النفس الأمارة لشيخ واصل عارف بالله خبير بأغوار النفس العميقة ومسالكها الوعرة، فما دمنا نتحدث عن طريقة، وتربية، وسلوك، فإن الأمر يقتضي مرب ومعلم يوجه العبد إلى عيوب نفسه، ويعلمه كيفية معالجتها، حتى يتمكن من تزكيتها وتطهيرها، ونحن هنا نتحدث عن تلقين أسس الإيمان، حتى لا يقتصر التعبد على القول باللسان، والعمل بالجوارح
وعلامة سلامة المسلك وصحة الطريقة لا تقتصر على تبدل الأحوال الظاهرة وحسب، لأن ذلك يمكن بلوغه على يد مرب حتى وإن لم يكن موصولا سنده برسول الله صلى الله عليه وسلم، بل تكمن في انفتاح بصيرة المؤمن لشهود أنوار النبي صلى الله عليه وسلم، فالنور محايث للحقيقة، إذ منه وبه تترسخ أسرار الحق في قلب العبد، وبمشاهدته يصل العبد إلى مقام المراقبة، فيعبد الله كأنه يراه
انطلاقا مما قلناه، نستطيع أن نخلص إلى أن الشريعة والحقيقة والطريقة لا تتعارض فيما بينها، بل هي مراتب يتنقل بينها من اصطفاه الحق عز وجل، فدله في عصره على الباب المؤدي إلى سبيل الله، ثم أمده بدلائل واضحة ويقين ثابت لا ينساق إليه شك ولا ريب، فيكون أكبر دال له على صحة الطريق ما يبلغه العبد مادام متشبثا بشرع الله، متمسكا بتوجيهات شيخه، منصاعا لأوامره مجتنبا لنواهيه، حتى تفيض عليه الحقائق، ويتوسع فهمه وينضج فكره، فيصبح فهمه متعلقا بذكره ومرتبطا به، لا هو متزندق ولا هو متفسق، بل عارف ومتحقق
فاللهم ارزقنا الصدق في الأقوال والأفعال، وجنبنا الرياء، وبارك لنا في مرشدنا ومعلمنا وشيخنا قدس الله سره، وارفع شأن طريقتنا الكركرية المباركة، إنك سميع الدعاء، وصلي اللهم على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد، كما صليت على سيدنا ابراهيم وعلى آل سيدنا ابراهيم، وبارك على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد، كما باركت على سيدنا ابراهيم وعلى آل سيدنا ابراهيم، في العالمين إنك حميد مجيد.

بقلم الأستاذ إدريس الرباطي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق