الحضرة الموساويةدروس الشيخ

الحضرة الموساوية (مجلى الضدين)

بسم الله الرحمن الرحيم

مجالس الشيخ المربي الكبير سيدي محمد فوزي الكركري رضي الله عنه

مجلس : الجمعة 16 رجب 1435هـ الموافق ل 16 ماي 2014م

الدرس الثالث : الحضرة الموساوية لسيدنا موسى عليه السلام

 

إن الحضرة الموساوية حضرة الدخول على مساس الألف بإعتبار أنها مجلى للألف المقدر…الذي كان له التصريف في باقي الحروف بحكم التنزل والتشكل لإنتفاء الغيرية…لذلك جمعت هذه الحضرة تجليات الأضداد…فأمه تخاف عليه من الهلاك فتؤمر برميه في اليم حيث الهلاك…وفرعون يقتل كل الأطفال حتى يزول خوفه وهو يحتضن موسى عليه السلام الذي كان منه خوفه…وموسى عليه السلام يقصد النار فيخاطبه منها الجبار فصارت النار نورا وهكذا…ومعرفة الأضداد تُفضي بك إلى معرفة الأسماء ومعرفة الأسماء تزج بك في أرض التحقق بالخلافة الأدمية إني جاعل في الأرض خليفة على بساط تجلي وعلم آدم الأسماء كلها

 

وسر إرتباط علم الأضداد بحقائق الأسماء كون الحق عزوجل له أسماء جمال وأسماء جلال وأسماء كمال…فهو سبحانه وتعالى الرحمن وهو القهار…وهو النافع وهو الضار…وهو المانع وهو المعطي…وهو القابض وهو الباسط وهكذا…لذا كان علم الأضداد من أشرف علوم الولاية…والأولياء تتفاوت درجاتهم في هذه المعرفة لذا كان من جمعها منهم هو إمام زمانه وآدم وقته…فكانوا يمدحون من تحقق بها…ومن هنا كان الشيخ سيدي عبد الواحد الدباغ

يقول : ” كان سيدي علي فقيها كبيرا، عالما شهيرا في علم الضدين”، يعني: الحقيقة والشريعة، والحرية والعبودية، والجمع والفرق، والسكر والصحو، والسلوك والجذب، والفناء والبقاء وما أشبه ذلك…وللدلالة على هذا المشرب المحمدي و المشهد الادمي، قلت

 

أنا مــجمع البـحــرين    بــــــرزخ الأزلية

لبســـت كــل الألــوان    فصرت بـلا لون

ليــس لي اسم وأيـن    جامع للـــــضدين

جسمي مظهر صفاتي    ســـــاتر للـــعين

 

ولما كانت الحضرة الموسوية لها هذه الخصوصية…كان ظهورها من رحم الولاية إبتداءا بحكم وحي الإلهام إذ أو حينا إلى أمك ما يوحى طه38…إذ أن أم موسى عليه السلام لم تكن نبية ولكنها كانت من الصالحات…فآتاها ذلك الوارد الرحماني حتى تظهر حكمة الحق و إرادته في موسى عليه السلام…يقول سبحانه وتعالى في كتابه العزيز : ” إذ أو حينا إلى أمك ما يوحى (38)أن اقذفيه في التابوت فاقذفيه في اليم فليلقه اليم بالساحل يأخذه عدوا لي وعدوا له وألقيت عليك محبة مني ولتصنع على عيني (39) ” سورة طه

 

فلم تستطع أم موسى عليه السلام أن تقاوم سطوة هذا الوارد…فبادرت إلى ما به أُمرت وألقت فلذة كبدها في التابوت الذي صنعته ثم ألقته في اليم…حتى تظهر تلك الرقائق النورانية المرتبطة بين الحضرة المحمدية الجامعة وبين الحضرة الموسوية…فحضرات الأنبياء عبارة عن تنزل للحقيقة المحمدية فيهم و تلونها حسب قوابلهم وقوالبهم…وقد ذكرنا سابقا كيف كان يتعرض صلى الله عليه وسلم ببدنه للمطر حتى يستمد من تجليات إسم الحي جل جلاله فكان يكشف غطاؤه عن رأسه حتى يستقبل صفة الحياة الجبروتية وقد قال تعالى عن الماء : (وجعلنا من الماء كل شيء حي ) الأنبياء الاية 30…والحي حقيقة هو الله سبحانه وتعالى يقول جل جلاله  (هو الحي لا إله إلا هو) غافر الأية 65…أما الحياة التي تسري في الممكنات فهي مجازية وعارية وهالكة بنص قول الحق سبحانه وتعالى : ( كل شيء هالك إلا وجهه ) القصص الأية 88

 

فالماء الذي تعرض له المصطفى صلى الله عليه وسلم ماء أصلي لا لون له ولا طعم…بحكم أن ماء المطر النازل من السماء هو أصل كل ماء وُجد في الأرض لذا قال تعالى : ( ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فسلكه ينابيع في الأرض ) الزمر الأية 21…وذلك لأنه صلى الله عليه وسلم البرزخ بين الحق والخلق والواسطة بين سماء الجبروت و أرض التنزلات…وهو الكنه الجامع لأصل العلوم ومنه تفيض العلوم والأسرار على الخلق حسب إستعداداتهم ولهذا المعنى كان يشير ابن مشيش رضي الله عنه عندما قال : ( اللهم صلِّ على من منه انشقت الأسرار وإنفلقت الأنوار وفيه إرتقت الحقائق وتنزلت علوم آدم فأعجز الخلائق ) والأنبياء عليهم سلام الله وصلاته هم أكثر الخلق إستمدادا من حضرته الشريفة ويليهم العلماء بالله تعالى لقوله عليه السلام : ( العلماء ورثة الأنبياء ) رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه وابن حبان في صحيحه

 

ولما كان الأمر كذلك كان الماء الذي ألقي فيه موسى عليه السلام ماء فرعي إتخذ لون الزجاجة التي سرى فيها…فكان ماء العلم الذي أخذه من شريعة الرحمن فهو ماء مُستفاد من الحضرة الكلية الجامعة المحمدية…والتابوت إشارة إلى الجسد وهو القبر الذي حوى سر الروح…فالحق سبحانه وتعالى أول ما خلق السكون الذي يعطي البرودة ثم نظر إليه نظرة محبة وجمال…فتحرك من هيبة الحق وشوقا إليه…فنشأ عن هذه الحركة الحرارة…فتزاوجت الحرارة مع الرطوبة فنتجت عنها الطبائع الأربعة : النار و الهواء والماء و التربة…وبهذه المواد الأربعة تشكل الكون بأسره…ثم جعلها الحق في جسد الإنسان فكان بذلك نسخة الأكوان كما قال سيدنا علي رضي الله عنه : ( أتحسب انك جرم صغير وفيك انطوى العالم الأكبر)…ثم إن هذا الجسد لما نفخ الحق فيه من روحه صاربذلك هذا الأدمي صورة للعالم العلوي والسفلي…لذلك كان كل ما تخيلته بفكرك فهو مخلوق مثلك…وكل ما تصورته في ذهنك فهو موجود وإن لم يسبق لك رؤيته ومهما كان غريبا…إذ لا ينطبع في صورة خيالك إلا الموجودات البارزة من حضرة (كن)…فافهم

وقلنا أن التابوت إشارة إلى الجسد الموسوي فكأنه لما أُلقِيتْ فيه الروح صار يُلقي بدوره فتنفعل له الأشياء…فكانت حضرته عليه السلام مظهرا لمراتب الإلقاء قال تعالى : (فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين ) الأعراف 107…لأنه كمُلت فيه مراتب التلقي قال تعالى : (وألقيت عليك محبة مني ولتصنع على عيني) طه 39.

وبذلك رزقه الله سبحانه وتعالى بحكمة هذا الإلقاء في اليم علما ومعرفة…فكان يتصرف عليه السلام بمقتضى العلم فيما قدره الحق وأراد…وكان يدبر تابوته بتلك القوة الروحية التي فيه…فجعل الله تعالى له بذلك هيبة وعظمة…بحكم رفع الحجب بين روحه وجسده فسرت أحكام الروح على التابوت كما ذكر الحق عن بقية موسى عليه السلام الظاهرة فيه لدى طالوت عليه السلام قال تعالى  ( وقال لهم نبيهم إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت فيه سكينة من ربكم وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون تحمله الملائكة إن في ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين) البقرة الأية 248…فهيبة موسى وطلعته سكنت التابوت فاستبشر به عليه السلام في سياحة فلكية أسرارية علوية فعلم به حقائق العوالم الثلاث

 

والحق سبحانه وتعالى جعل الروح تدبر جسد الإنسان فهي الحاكمة عليه والجسد كالآلة تقوده الروح كيف تشاء…فلذلك من نظر بنظرة ملكية يجد الحق يدبر العالم بالعالم حيث يرى إحتياج البعض للبعض…وحصول التكامل والمنفعة لشيئ ما متوقف على شيئ أخر…فلو لم تمطر السماء لما أنبتت الأرض شيئا…وإذا لم تحرث لا تأكل و لولا التوالد والتزاوج ما ظهر النسل وهكذا…فأنت إذا نظرت إلى تعدد هذه الأشباح رأيتها تخدم بعضها بعضا وتدبر أمرها فيما بينها…فالعالم ينقسم إلى مؤثر ومتأثر وما يكون مؤثرا في وقت قد يكون متأثرا في وقت أخر…فالحق دبر الكون بالكون من حيث قيام الكل بالحق

أما إذا نظرت نظرة علوية حيث الحقيقة ستجد أن أمرية الحق وأسماؤه تدبر الأشباح وتسيرها…فتشهد الحق يدبر العالم بصورة العالم أي بالإنسان الكامل ولقد ورد في السنة الشريفة قوله صلى الله عليه وسلم: ( خلق الله آدم على صورته ) أخرجه الشيخان البخاري ومسلم…فأقامه الحق سبحانه وتعالى بصورته بحكم أسمائه وصفاته…من غير حلول ولا إتحاد…وكان الإنسان الكامل صورة العالم لانه الكنه الجامع لكل أجزاء العالم

وهذا هو الحال الموسوي الذي كان مجلى للألف الرحماني المقدر…لذا كان له ذلك التصريف في أجزاء العالم بإذن الله تعالى…حيث كان يتصرف بمقتضى العلم بالألف على وفق القدرة والإرادة…فتصرف في البحر والحجرولهذا السرأيضا جاء في الحديث أن أسية أتت فرعون فقالت: قُرَّةُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ [ القصص:9 ] فقال فرعون: يكون لك، فأما لي فلا حاجة لي فيه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « والذي يُحْلَف به لو أقر فرعون أن يكون قرة عين له كما أقرت امرأته، لهداه الله كما هداها، ولكن حرمه ذلك » وذلك لأن الإنسان الكامل كل ما اعتقدته فيه من خير أو شر خلعه عليك…فاختر لنفسك ماتريد

وسر المسألة أن النظرة الأولى قبل خلق الخلق كانت نظرة إطلاق أسمائي في حكم الفراغ حيث نضع آلفات مقدرة وهي أسماء في كنه الإطلاق ظهرت خصوصيتها في حكم السكون عندما تجلى بها الحق عليه حتى تظهر مقتضيات كل إسم…فكل ما في العالم إلا هو أثر من أثر

تجليات الأسماء والحق يدبرالعالم بأسمائه الحسنى…ولكي نفهم علاقة ما ذكرناه بسير المريد نضع هذا الرسم التوضيحي

 

 

فهاء الهوية تقسم بالأسماء الحسنى إلى 99 جزء كل جزء يتخذ إسما ما ويقابله في الجهة الأخرى إسم ضده وهكذا…وتمام المئة يوجد إسم الله الأعظم وفيه تنطوي جميع الأسماء الحسنى…وفي مركز الهاء تجتمع كل الأسماء وفي باطنها ألف مقدر… لذلك قلنا أنها قبضة محمدية أحمدية فهي ميم محمدي في باطنها ألف أحمدي … وقلنا انها هي الكعبة بحكم أن الكعبة هي مركز الأرض وهي القبلة التي يتوجه نحوها المصلين…فكذلك مركز الهاء هي القبلة التي يتوجه نحوها السالكون أصحاب الصلاة الدائمة…والمريد في سيره ينطلق من المركز الهائي إلى الألف الفرداني…فإذا إستقر المريد في جهة الإسم الاعظم من الدائرة طويت له المسافة ورفعت بينه وبين الألف الحجب…أما اللامين فتتخذ عدد الحجب السبعين ألفا التي بين الحق والخلق… فعن أبي حازم عن سهل بن سعد قالا : قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم : ( إن الله عز وجل دون سبعين ألف حجاب من نور وظلمة ، وما يسمع من نفس شيئا من حس تلك الحجب إلا زهقت) المعجم الكبير للطبراني بَابُ السِّينِ مَنِ اسْمُهُ سَهْل… فمن جمع همه في سر السر سهل عليه إختراقها…أما من إستقر في جهة إسم واحد فعليه أن يكمل الدورة الهائية حتى يمر على ال 99 إسم كاملة…والسائر إذا تحقق في الألف المقدر سيجده يسري في كل الأسماء التسعة والتسعين كسريان الواحد في الأعداد

 

وسيدنا موسى عليه السلام لما كان ظهوره من الألف الرحماني الذي بيناه أعلاه لأنه نبي ورسول عليه وعلى نبينا السلام…فكان يتصرف في السكون الهائي بعصاه…حيث أظهر حروفه فيه…فالنبوة تبدأ من الألف وتتنزل في الهاء حتى تظهر أحكام الحق…أما الولاية فتبدأ سيرها من الهاء وفيها…وتصل في الترقي إلى برزخيتها في الألف…ويكون لها من الألف العلم فقط لا التحقق فافهم

ومن هنا تفهم قول من قال: ( خضنا معاشر الأولياء بحرا وقفت الأنبياء على ساحله )…فالساحل التي وقفت عليه الانبياء هو الهاء لأنهم يتنزلون من الأعلى حيث الألف إلى الأدنى حيث الهاء…أما الأولياء فسيرهم صعودي من الادنى إلى الأعلى…لأن نبوة صفاء تام

جاءت لتقييد الخلق بشريعة الرحمن…اما الولاية فسيرها وتوجهها نحو الإطلاق الذي منه بدأ النبي ولا يكون لها في النهاية إلا نقطة برزخية فيه..فافهم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

إغلاق