الحضرة الموساويةدروس الشيخ

الحضرة الموساوية : الفصل و الوصل

بسم الله الرحمن الرحيم

مجالس الشيخ المربي الكبير سيدي محمد فوزي الكركري رضي الله عنه

مجلس الجمعة : 1 شعبان 1435 هـ الموافق ل 30 ماي 2014 م

الدرس الخامس : الحضرة الموساوية

لقد سبق أن ذكرنا الحكمة من إلقاء سيدنا موسى عليه السلام في التابوت ثم في اليم…وبقي أن نشير إلى هذه الحادثة بإعتبارها وجها لظهور الوصل و الفصل فيها…ذلك أن إلقاؤه في التابوت عليه السلام وهو مازال صغيرا ثم إلقاؤه في اليم…فهذا في الظاهر صورة للهلاك المحقق غير أن الحق عزوجل في قلب صورة الهلاك هذه أظهر النجاة…في حكم الفصل الظاهري أظهر معاني الوصل في صورة النجاة والحياة لسيدنا موسى عليه السلام هذا من جهة

ومن جهة أخرى بعدما كان فرعون يريد قتل سيدنا موسى عليه السلام حينما كان يقتل كل مولود وهذا مظهرا أخر من مظاهر الفصل…إذا به يخرج الحق من قلب هذا الفصل وصلا فجعل فرعون نفسه هو المكلف بكفالة موسى عليه السلام…وذلك لأن موسى عيله السلام خرج إلى الوجود مكسوا بأنور قوله تعالى : ( وألقيت عليك محبة مني ) 93 طه…فكان كل من رآه يحبه حتى فرعون

ولقد إكتسب من صور الفصل هذه التي كان يُفتن بها سيدنا موسى عليه السلام حكمة من الحي القيوم الذي قال : ( وفتناك فتونا ) 40 طه…فإكتسب معاني الوصل التي ظهرت بصورتين : صورة حسية وصورة معنوية

فالصورة الحسية هي تلك الحياة التي إكتسبها بنجاته من القتل…والصورة المعنوية هي تلك الحياة العلمية التي وهبه الله تعالى إياها من ماء الحياة…وهذه هي الحياة التي أراد الحق أن يحييها كل إنسان…حياة علمية نورانية قال تعالى : ( أومن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها ) 122 الأنعام

فكل من أخرج له الحق نورا وصليا من عين فصله النفسي على يد شيخ مربي فقد رزقه الحق حياة قلبية بعدما كان قلبه ميتا بظلمة الأغيار…وهذا النور الإلهي المقذوف في قلوب المحبوبين إذا نظرت إليه بصفة العلم وجدته عين العلم…وإذا نظرت إليه بصفة القرب من الحق وجدته حبلا يصل العبد بالرب…فهو جامع لكل ما تريد من خير

فالنور هو الميزان الذين يزن به السالك حاله مع الله…فإذا أردت أن تعرف قربك منه أو علمك به فأنظر إلى سريرة قلبك…فإذا وجدت نورا ستجد معه العلم والقرب والمحبة..وإن لم تجد نورا فلا وجود لحقائق الإيمان في قلبك…وعلى قدر حجم النور فيك تعرف هل انت قريب ؟ أم بعيد ؟ وما مقدر بعدك ؟ وما مقدار علمك ؟

وهذا النور لطافة سارية لذلك قال سبحانه ( يمشي به في الناس ) ولم يقل يمشي به بين الناس…لأن النور للطافته الربانية يخترق كل الإجسام…ويمحق صور الممكنات من مشهد القلب لأنه نور أزلي قديم والقديم إذا جمع مع الحادث تلاشى الحادث وبقي القديم

فالعلم الذي يثمر الخشية هو العلم البارز من حضرة النور وأهله هم العلماء الذين مدحهم الله تعالى بقوله : ( إنما يخشى الله من عباده العلماء )28 فاطر…فالخشية أو الهيبة تظهر من بساط الشهود…وكلما أثبت لنفسك الوجود فأنت جاهل…وإنما الممكنات أثبتها الحق بلطافته السارية في هذا العدم حتى أظهر العدم في العدم

فالإنسان الذي يريد أن يخرج من حضيض الحيوانية إلى الحقيقة التي من أجلها كرمه الحق…ينبغي عليه أن يراقب حاله مع الله…ويبحث في سويداء قلبه هل خالط نور الإيمان قلبه ؟ فالمؤمن صاحب الذوق هو المؤمن الذي قذف الحق في قلبه نورا

وهذا النور إذا تنزل في قلوب المتوجهين فهو شديد الغيرة…إذا وجد فيك شكا أو لم يجدك معظما لشرائع الحق أو وجد فيك الأنا التي تمنعك من رد الأمانة إلى أهلها…فاعلم أن ذلك النور كما دخل في قلبك سيخرج…وإذا عدت إلى الظلمة فأنت جاهل بحقيقتك التي شرفك الله بها على سائر المخلوقات

واعلم أن الإيمان إيمانان : إيمان تقليدي للعامة وإيمان نوراني تحقيقي للخاصة ألم ترى كيف قرن صلى الله عليه وسلم المؤمن بنور الله حيث روي عن أبي أمامة، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( اتقوا فراسة المؤمن، فإنه ينظر بنور الله, عز وجل ) رواه الطبراني وإسناده حسن…فإذا كنت تفعل الواجبات الدينية بلا نور فأنت كالأجير يعمل ويريد الأجور…أما إذا كنت مؤمنا بحكم النور الذي تنزل في قلبك فأنت في ديوان المحبين على نعت الحضور…وإن كنت ترى النور وتشهده قبل الأشياء فأنت محبوب وإن كنت مشغولا بالأشياء فأنت محجوب

ولما كان قلب المؤمن سراجا نورانيا ينظر به إلى حقائق الأشياء جاء التحذير من فراسته وصدق لسانه فيما يخبر لأن صدق اللسان من صدق قلبه فعن ثوبان قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( احذروا فراسة المؤمن ! فانه ينظر بنور الله وينطق بتوفيق الله ) كنز العمال حديث حسن لغيره …فسبب التحذير أن المؤمن الذي هذه شاكلته إذا نظر إليك بنظرة فإما أن يرفعك أعلى عليين أو يضعك أسفل سافلين…إما أن يقربك أو يبعدك بحكم فراسة رزقه الله تعالى إياها لأنه إضمحل في حضرة النور…وبسر قمرية نوره

أما الإنسان ذو القلب المظلم فهو كالذي يسكن في بيت مظلم تحت الأرض…فهو يتخبط في ظلمات ثلاث : ظلمة الإعتقاد و ظلمة القول و ظلمة العمل

وكل ظلمة تؤدي إلى الأخرى ومن بقي في حكم الظلمة فليس بخارج منها…والطريق الذي يخرجك من هذه الظلمات هو طريق الذكر المأذون…فالإنسان عندما يبدأ في ذكر الله تعالى فهو في ميدان الجهاد الأكبر جهاد النفس…ولكي تخرج فائزا من هذه المعركة عليك أن لا تلتفت إلى الغير…لا تشتغل بسواك…لا تخرج من قبرك

وطريق الذكر هو طريق الهداية الموصلة إلى مقام الحيرة…وهذه الحيرة هي الحياة والعقل عاجز عن إدراكها لأن مدراكه تمنعه من تعقل الضدين مرة واحدة أما القلب فيتذوق معنى الضدين فيحصل له العلم بالله تعالى ألم ترى إلى قوله تعالى : ( هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم ) 3 الحديد…كيف جمع الأضداد ؟ لكي تفهم هذا عليك بالذوق الصريح الصحيح…فالتحقق ليس كلاما يلاك بالألسن ،فلا يكفي أن تقول الله ظاهر، بل يجب أن تدرك وتتذوق معنى ظهوره

وهكذا فالعقل يعجز أمام تدبر معنى إجتماع الضدين والإيمان يؤكد ذلك لأنه قول الصادق…وطريق الإيمان القلبي التحققي يوصلك إلى الحيرة…لأن قلبك إذا تحرك فكانما تحرك الكون كله فإن لم تأخذ من هذه الحركة حيرة في الحق أو في ملكوت الحق فانت ميت القلب…والكشف القلبي هو السبيل إلى تذوق حقائق الإيمان…فقد تكون في بيت صغير وترى فيه ما لا تقدر على عده من الملائكة…فإذا أردت فهم هذا الأمر بالعقل سيستعصى عليك الأمر عندما تجد أن حجم البيت لا يسع هذاالعدد من الملائكة

والمريد اذا وجد شيخ التربية وقذف في قلبه تلك اللمحة النورانية…فليعلم ان الكون بما فيه من عرشه إلى فرشه مجموع فيها…فلا تستحقرها عندما تظهر لك حالك فتراها

صغيرة…وأنت الصغير لبعدك عنها فلو كنت قريبا لرأيتها قبل رؤيتك لنفسك وإذا كشفت لك عن حقيقتها ستحرقك وتحرق ما رأته عيناك

كما قيل

إنَّ الكواكب في علوِّ مكانها ** لترى صغاراً وهي غير صغارِ

وقال أخر

والنَّجم تستصغر الأبصار رؤيته ** والذَّنب للطَّرف لا للنَّجم في الصِّغرِ

 

فاللمحة التي تظهر في قلوب السالكين تجمع في طياتها كل شيئ … فالحق سبحانه وتعالى بين لنا في كتابه العزيز عندما قال : ( وما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر) 50 القمر…فبين لنا ان كل الزمن الذي عاشته البشرية وستعشيه في الدنيا والأخرة وكل هذه التغيرات الكونية هذا كله في حق الحق تعالى كلمح بالبصر…وانت أيها السالك عندك هذه اللمحة التي تجمع كل ما في السموات والأرض…فلماذا تستحقرها أيها المريد؟

فالتعظيم التعظيم هو سبيل الأكبر والإكسير الأعظم للوصول إلى الحضرة العلية…ومن فقدها فليبحث له عن لمحة نورانة توصله إلى محبة الله وقربه والعلم به عز وجل

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

إغلاق