دروس كتابية

أهمية النور… في التعرف على النبي المنصور

بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا وحبيبنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما

 أهمية النور… في التعرف على النبي المنصور صلى الله عليه وسلم 

 أيها المحب ….إعلم أن الطريق إلى الله مسدودة إلا على من إقتفى أثر الرسول صلى الله عليه وسلم ، وحكمه على ظاهره وباطنه ، فإذا علمت هذا وتيقنت به وإستقر في قلبك ، فعليك أن تبذل جهدك في معرفة هذا النبي الكريم صلى الله عليه وسلم ، خاصة وقد تحققت أنه باب الوصول الذي من لم يدخله كان مفصول ، ولقد نبه الصديقون على هذا الأصل سلفا عن خلف ، حتى أن خاتمة المحقيقين سيدي وشيخي محمد فوزي الكركري رضي الله عنه كثيرا ما يقول : ” أدخل على الله من باب رسول الله صلى الله عليه وسلم….و إلا حجبت وطردت

وصدقا أقول لك أيها المحب….نصيبك من حضرة الله على قدر معرفتك برسول الله عليه السلام ، لذلك وجب عليك معرفة نبيك معرفة كاملة على قدرك وليس على قدره ، إذ لا يعرف محمدا صلى الله عليه وسلم على التحقيق إلا رب محمد ، وغاية معرفتك به أن تصل لحد العجز عن معرفته ، وذلك عندما تشرق عليك  لطائف قوله تعالى :  ( وإعلموا أن فيكم رسول الله ) الحجرات الأية 7

وإعلم أيها المحب…أن النبي صلى الله عليه وسلم له توجهين : توجه نحو عالم الخلق بإعتبار صورته البشرية ، وتوجه نحو عالم الأمر بإعتبار حقيقته الروحية الكلية ، وأغلب الناس إلا من رحم ربي لا يعرف من رسول الله إلا صورته الظاهرية ، أما الذين يجمعون بين ظاهر الحبيب وباطنه ، فهم أهل الإرث النبوي ورثوا عنه أحكام الظاهر وأسرار الباطن معا .

أيها المحب….بعد هذه المقدمة  تكون قد تشوقت إلى المشي في طريق هذه المعرفة التي نرمي إليها ، ولعلك تتساءل : إني أقوم بكل الواجبات الدينية لكن لم أصل إلى هذه المعرفة ، فأين يكمن الخلل ؟

فلكي تصل إلى الجواب عليك أن تفهم أن كل عبادة تقربت بها إلى الله ولم تزدد بها معرفة وقربا فهي مدخولة ، فالله لا يقبل إلا طيبا ، لأن الشهوات الخفية للنفس  وسموم الشيطان الدقيقة ، كثيرا ما تخالط عبادتنا دون أن نلقي لها بالا ، لذلك أصبحت الكثير من العبادات صور لا روح فيها ، فالخلل فيك أيها العبد وليس في العبادات ، والسبب فقدان النور المحمدي في القلوب ، فبهذا النور تعرف خفايا نفسك ودسائسها ، وبنوره صلى الله عليه وسلم تعرفه وتصحبه

 

وهنا نجد عدة تساؤلات تحتاج ليجاب عنها : ما المقصود بالنور المحمدي ؟ و كيف السبيل للوصول إلى هذا النور ؟ وهل يمكنني أن أدركه بمجهودي الخاص ؟ و إذا وصلت إليه ، هل أكون قد تعرفت على النبي صلى الله عليه تلك المعرفة التي يعول عليها أهل الله ؟

فإعلم أن المقصود بالنور المحمدي فهو تلك الحقيقة النورانية لباطن المصطفى صلى الله عليه وسلم ، وإن شئت أن تقول هو تلك القبضة المأخوذة من ذلك النور المنسوب إلى الحق والمشار إليه في قوله صلى الله عليه وسلم ( أول ما خلق الله نور نبيك يا جابر) رواه البيهقي ببعض المخالفة

 ولقد ورد في تنوير المقباس من تفسير ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى : (قد جاءكم من الله نور) رسول يعني : محمّداً صلى الله عليه وسلم

وذكر مثل ذلك الطبري والسيوطي

وقال العلامة الصاوي في حاشيته على الجلالين : هو نور النبي صلى الله عليه وسلم، وسُمّي نوراً لأنه ينوِّر البصائر ويهديها للرشاد، ولأنه أصل كل نور حسِي ومعنوي

ولقد اختلف المتأولون في عود الضمير في ” نوره ” على من يعود في أية النورفي سورة النور ; فقال كعب الأحبار وابن جبير : هو عائد على محمد صلى الله عليه وسلم ; أي مثل نور محمد صلى الله عليه وسلم، قال ابن الأنباري : ” الله نور السموات والأرض ” وقف حسن ، ثم تبتدئ ” مثل نوره كمشكاة فيها مصباح ” على معنى نور محمد صلى الله عليه وسلم

ومن كتاب شرح الشمائل المحمدية للإمام الترمذي رضي الله عنه، بتحقيق وشرح الشيخ النينوي ج1 ص 44، وفي التعليق على الحديث وشرحه فوائد كثيرة ان شاء الله تعالى، ها هي

[ 15ـ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ الْحِزَامِيُّ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ الزُّهْرِيُّ، حَدَّثَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ابْنُ أَخِي مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ كُرَيْبٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: ( كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى الله عَليّهِ وسَلِّم أَفْلَجَ الثَّنِيَّتَيْنِ، إِذَا تَكَلَّمَ رُئِيَ كَالنُّورِ يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ ثَنَايَاهُ

-إسناده ضعيف، تفرد به المصنف دون الستة. في الاسناد عبد العزيز بن عمران المعروف بابن أبي ثابت وهو ضعيف. وباقي رجاله ثقات

-ضعف اسناد هذا الحديث لا ينفي أنه أفلج الثنيتين صلى الله عليه وآله وسلم، ولا ينفي أنه نور وأن كلامه نور، ووجهه الشريف نور، وأنه نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء. فقد روى مسلم من حديث جابر بن سمرة والبخاري من حديث البراء بنحوه أن رجلاً سأل عن وجه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مِثْلَ السَّيْفِ ؟ قَالَ لَا بَلْ مِثْلَ الْقَمَرِ. قال الحافظ في الفتح بعد هذا الحديث: ” بل مثل القمر “ أي في التدوير، ويحتمل أن يكون أراد مثل السيف في اللمعان والصقال؟ فقال: بل فوق ذلك، وعدل إلى القمر لجمعه الصفتين من التدوير واللمعان. وفي رواية مسلم قال: مثل الشمس والقمر. قال الحافظ في الفتح في شرح الحديث مقراً وشارحاً: ( ولما جرى التعارف في أن التشبيه بالشمس إنما يراد به غالبا الإشراق، والتشبيه بالقمر إنما يراد به الملاحة دون غيرهما، أتى بقوله: ” وكان مستديرا ” إشارة إلى أنه أراد التشبيه بالصفتين معا: الحسن والاستدارة. ولأحمد وابن سعد وابن حبان عن أبي هريرة ” ما رأيت شيئا أحسن من رسول الله صلى الله عليه وسلم، كأن الشمس تجري في جبهته ” قال الطيبي: شبه جريان الشمس في فلكها بجريان الحسن في وجهه صلى الله عليه وسلم، وفيه عكس التشبيه للمبالغة، قال: ويحتمل أن يكون من باب تناهي التشبيه جعل وجهه مقرا ومكانا للشمس

وروى يعقوب بن سفيان في تاريخه من طريق يونس بن أبي يعفور عن أبي إسحاق السبيعي عن امرأة من همدان قال: ” حججت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت لها: شبهيه

قالت: كالقمر ليلة البدر، لم أر قبله ولا بعده مثله “ وفي حديث الربيع بنت معوذ ” لو رأيته لرأيت الشمس طالعة ” أخرجه الطبراني والدارمي). اهـ

بل ثبت الخبر بإسناد صحيح عن أنس أن المدينة عندما دخلها النبي صلى الله عليه وآله وسلم أضاء فيها كل شيء، وحصر هذا بمعنى الهداية فقط لادليل عليه، فهو صلى الله عليه وآله وسلم هداية وزيادة. وقد جاء القرآن بإثبات هذا المعنى، فقد قال الله تعالى في سورة المائدة: (قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين) وقال تعالى في سورة الأحزاب: ( ودعياً الى الله بإذنه وسراجاً منيراً)، فهو صلى الله عليه وآله وسلم نور ومنير، ولا حرج في أن تقول إن سيدنا محمدًا صلى الله عليه وآله وسلم نوراً منوَراً منوِراً، لأن الله عز وجل قد وصفه بذلك وسماه نورًا ، وسماه منيراً. ولقد ثبت في السنة أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يقولون : إن وجهه صلى الله عليه وآله وسلم كالقمر، وقد أخبر صلى الله عليه وآله وسلم فيما رواه أحمد وغيره أنه عندما حملت فيه أمه: (رأت نورًا أضاء لها قصور بصرى من أرض الشام )، قال الحافظ في الفتح مقراً وشارحاً: (ومما ظهر من علامات نبوته عند مولده وبعده ما أخرجه الطبراني عن عثمان بن أبي العاص الثقفي عن أمه أنها حضرت آمنة أم النبي صلى الله عليه وسلم فلما ضربها المخاض قالت: فجعلت أنظر إلى النجوم تدلى حتى أقول لتقعن علي، فلما ولدت خرج منها نور أضاء له البيت والدار. وشاهده حديث العرباض بن سارية قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ” إني عبد الله وخاتم النبيين وإن آدم لمنجدل في طينته، وسأخبركم عن ذلك: إني دعوة أبي إبراهيم، وبشارة عيسى بي، ورؤيا أمي التي رأت، وكذلك أمهات النبيين يرين، وإن أم رسول الله صلى الله عليه وسلم رأت حين وضعته نورا أضاءت له قصور الشام “ أخرجه أحمد وصححه ابن حبان والحاكم وفي حديث أبي أمامة عند أحمد نحوه).اهـ. والآثار في هذا كثيرة وهي تشير إشارة واضحة الى أنه نورانيته صلى الله عليه وآله وسلم وأنه هادياً بشيراً ونورًا منيراً، ولا ينبغي أن ننفي أن ذلك النور كان حسيًّا، كما لاينبغي تقييد معنى النص القرآني والحديثي الوارد بدون دليل، فليس هناك ما يتعارض مع كونه منيرًا، وأنه صلى الله عليه وآله وسلم له نور حسي. نعم المحظور هو نفي البشرية عنه صلى الله عليه وآله وسلم، لمخالفة ذلك صريح القرآن. أما إثبات النورالحسي له صلى الله عليه وآله وسلم فهو ثابت بالنصوص ولا يتعارض عقلاً مع كونه صلى الله عليه وآله وسلم بشرًا، فالقمر والشمس والنجوم والكواكب لها طبيعة صخرية، ومع ذلك تعكس النور، وفيها نور، ولها نور حسي بل يسطع نورها على غيره من الكواكب كالكرة الأرضية كلها فينير ليلها ويطمئن خائفها ويهدي سائرها، والنبي صلى الله عليه وآله وسلم خير من القمر والشمس والنجوم، بل هو صلى الله عليه وآله وسلم فخر الكائنات وسراج للشمس والقمر ولكل مافي الأرض والسموات. فالسلامة في ذلك أن تثبت ما أثبت الله لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم، وماأثبته هو لنفسه صلى الله عليه وآله وسلم، وماأثبته الصحابة له مما عاينوا من عظيم شأنه وجميل صفاته صلوات الله عليه وآله وسلم، دون نفي أو تعطيل أو تأويل بلا دليل. فنثبت أنه صلى الله عليه وآله وسلم بشر، وأنه نور ومنير، دون قطع بتأويل محدود أو تخصيص لمطلق بدون دليل، والله أعلم. بل قد أثبت الأنوار في قلبه وأعضائه ومن حوله باقواله الصحيحة صلى الله عليه وآله وسلم كما جاء فيما رواه الإمام مسلم في صحيحه عن سلمة عن كريب عن ابن عباس: قَالَ: (وَدَعَا رَسُولُ اللّهِ لَيْلَتَئِذٍ تِسْعَ عَشْرَةَ كَلِمَةً. قَالَ سَلَمَةُ: حَدَّثَنِيهَا كُرَيْبٌ. فَحَفِظْتُ مِنْهَا ثنْتَيْ عَشْرَةَ. وَنَسِيتُ مَا بَقِيَ. قَالَ رَسُولُ اللّهِ «اللَّهُمَّ اجْعَلْ لِي فِي قَلْبِي نُوراً، وَفِي لِسَانِي نُوراً، وَفِي سمْعِي نُوراً، وَفِي بَصَرِي نُوراً، وَمِنْ فَوْقِي نُوراً، وَمِنْ تَحْتِي نُوراً، وَعَنْ يَمِينِي نُوراً، وَعَنْ شِمَالِي نُوراً، وَمِنْ بَيْنِ يَدَيَّ نُوراً، وَمِنْ خَلْفِي نُوراً، وَاجْعَلْ فِي نَفْسِي نُوراً، وَأَعْظِمْ لِي نُوراً

وقد ثبت أصرح من ذلك كله، وهو قوله صلى الله عليه وآله وسلم في دعائه: واجعلني نوراً. فقد روى مسلم في صحيحه من حديث غندرعن شعبة عن سلمة عن كريب عن ابن عباس: قال: (بت في بيت خالتي ميمونة. فبقيت كيف يصلي رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال فقام فبال. ثم غسل وجهه وكفيه. ثم نام. ثم قام إلى القربة فأطلق شناقها. ثم صب في الجفنة أو القصعة. فأكبه بيده عليها. ثم توضأ وضوءا حسنا بين الوضوءين. ثم قام فصلى فجئت فقمت إلى جنبه. فقمت عن يساره. قال فأخذني فأقامني عن يمينه. فتكاملت صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث عشرة ركعة. ثم نام حتى نفخ. وكنا نعرفه إذا نام بنفخه. ثم خرج إلى الصلاة. فصلى. فجعل يقول في صلاته أو في سجوده اللهم! اجعل في قلبي نورا، وفي سمعي نورا، وفي بصري نورا، وعن يميني نورا، وعن شمالي نورا، وأمامي نورا، وخلفي نورا، وفوقي نورا، وتحتي نورا، واجعل لي نورا، أو قال واجعلني نورا). وفي رواية أخرى في صحيح مسلم عن غندر عن شعبة عن سلمة عن بكير عن كريب عن ابن عباس قال: (كنت عند خالتي ميمونة. فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم ذكر بمثل حديث غندر وقال: (واجعلني نورا) ولم يشك

قلت وليس بعد كلام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كلام. وتأمل في كلامه صلى الله عليه وآله وسلم بعد أن سأل الله أن يجعل في جميع أعضائه وجهاته نوراً، فقال: (واجعل لي نوراً)، ثم ختم كل شيء بقوله: (واجعلني نوراً). ففرّق بين اجعل لي نوراً واجعلني نوراً حتى لا يلتبس الأمر ويختلط، لأن الزيادة تدل على زيادة في المعنى، وإلا لكانت عبثاً ولا معنى لها. والله أعلم. وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: واجعلني نوراً هي أبلغ من الكل، كما ذكر الملا علي القاري في المرقاة

فإن قال قائل: قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (واجعلني نوراً) يفيد الدعاء وأن ذلك غير حاصل بعد. قلت: بل ذلك دعاء بلسان الحال والحقيقة بقصد الشكر والأدب مع المولى عز وجل، كقوله تعالى على لسان ابراهيم عليه السلام في سورة ابراهيم: (اجعلني مقيم الصلاة) وقوله تعالى في الشعراء: (واجعلني من ورثة جنة النعيم)، وكل ذلك متحقق في حق ابراهيم عليه السلام، ولاشك أن ابراهيم عليه السلام يعلم علماً يقينا أنه من مقيمي الصلاة وأنه من ورثة جنة النعيم، فهو نبي مرسل من أولي العزم، وقد أرسله الله الى خلقه ليدلهم عليه ويكون لهم قدوة وأسوة، إلا أنه أدب في حقه عليه السلام تجاه الباري عز وجل، و تعليم لأمته وغيرهم لمن لم تتحقق لهم هذه الأحوال والحقائق كما تحققت للأنبياء عليهم السلام، والأمثلة في هذا كثيرة

قال الحافظ في فتح الباري ج12397: (قال القرطبي: هذه الأنوار التي دعا بها رسول الله صلى الله عليه وسلّم يمكن حملها على ظاهرها فيكون سأل الله تعالى أن يجعل له في كل عضو من أعضائه نوراً يستضيء به يوم القيامة في تلك الظلم هو ومن تبعه أو من شاء الله منهم). قلت: ولا يمنع أن يستضيء الناس بنوره صلى الله عليه وآله وسلم في الدنيا أيضاً، كما حدث في المدينة عندما دخلها فاستنار فيها كل شيء، وغير ذلك من آثار نوره وبركته صلوات الله وسلامه عليه وآله. وهذا كعب بن زهير يقول في قصيدته الشهيرة

إن الرًّسُولَ لسيـفٌ يُستضـاءُ بِـه  *** مُهنَّـدٌ مـن سيـوف الله مسلـولُ…إنتهى

أيها المحب…لعلك قد علمت معنى هذا النور المحمدي ، ولم يبقى في قلبك شك تجاهه مع وجود هذه الأدلة المباركة وهذه النقول الطيبة من العلماء سلفا وخلفا ، ولعلك قد عرفت الآن أهميته في معرفة نبيك عليه السلام ، وأنك بدون نوره صلى الله عليه وسلم لن تتمكن من معرفته ، خاصة وقد علمت أن هذا النور يرى  ويشاهد بالعين المجردة ، حسا لا معنى فعن عروة بن الزبير عن عائشة قالت : استعرت من حفصة بنت رواحة إبره كنت أخيط بها ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم فسقطت مني الإبرة فطلبتها فلم أقدر عليها فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم فتبينت الإبرة من شعاع نور وجهه فضحكت فقال يا حميراء لم ضحكت قلت كان كيت وكيت فنادى بأعلى صوته يا عائشة الويل ثم الويل ثلاثا لمن حرم النظر إلى هذا الوجه ما من مؤمن ولا كافر إلا ويشتهي أن ينظر إلى وجهي ) اهـ ..أخرجه إبن عساكر والأصبهاني والسيوطي

فتأمل أيدك الله بروح قدسه…كيف تجلى لها نور الحبيب صلى الله عليه وسلم حتى شاهدته حسا ووجدت به ضالتها ، ولعلك تعرف قصة الصحابي الجليل حسان بن ثابت رضي الله عنه الذي اعطى له كفار قريش مبلغا من المال ، وذلك قبل إسلامه- ليهجو رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فوقف حسان على ربوة ينتظر مجيء الرسول عليه السلام لينظر الى صفة من صفاته فيهجوه بها، ومر الحبيب المصطفى، فلما رآه حسان رجع الى قريش فرد لهم المال وقال

هذا مالكم ليس لي فيه حاجة

وأما هذا الذي أردتم ان اهجوه

اللهم أني أشهدك أني اشهد انه رسول الله

فقالوا

ما دهاك؟ ما لهذا أرسلناك

فأجابهم بهذا الشعر

لما رأيت أنواره سطعت ……. وضعت من خيفتي كفي على بصري

خوفا على بصري من حسن صورته…. فلست انظره إلا على قدري

روح من النور في جسم من القمر… كحلية نسجت من الأنجم الزهر

 فهذه القصة نستفيد منها عدة فوائد ، نذكر منها

 * أن نوره صلى الله عليه وسلم يرى حسا ومعنا ، لذلك قال حسان رضي الله عنه لما رأيت أنواره سطعت

* أن هذا النور لا يراه إلا من أراد الله هدايته ، وانه يراه البعض ويستتر عن البعض بمقتضى الحكمة الإلهية ، فلما أراد الحق الخير لحسان كشف له عن حقيقة نبيه فإهتدى ، وحجب أبا لهب عنها فضل، لأنه كان واقفا مع بشريته صلى الله عليه وسلم..ومن هنا نعرف أن الصحابة الكرام رضي الله عنهم كانوا يشاهدون روحانية النبي عليه السلام إلى جانب ظاهره…لذلك ظهر منهم ذلك الثبات العديم النظير، ومعرفتهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم متفاوتة حسب درجة إيمانهم ، فالذي رآه عليه السلام شمسا ليس كالذي رآه قمرا ، والذي رآه قمرا ليس كالذي رآه نورا يلمع كما يلمع السيف وهكذا

 

فالمطلوب من كل مؤمن عاشق للحضرة النبوية قد حرم من صحبة الحبيب الجسدية الشريفة ان يراه بصفته النورانية الروحية…ولقد علمت أيها المحب انها ترى لأهل القلوب الصافية…وهنا نجيبك عن سؤالك كيف السبيل للوصول إلى هذا النور المقدس ؟

فإعلم نور الله قلبي وقلبك بنور قدسه…أن الجواب على هذا السؤال منطوي في هذه الحكمة العطائية التي

تقول : ” إذا أراد الله أن ينصر عبده أمده بجنود الأنوار، وقطع عنه مدد الظلم والأغيار ” ، ولقد شرحها شيخ مشايخنا سيدي عبد القادر مول الباشا فقال : يعني إذا أراد الله ينصر عبدا من عباده ويصطفيه  لحضرته أمده بصحبة أهل الأنوار ، يعني أهل الأسرار الذين كانت لهم الأنوار  وهم أهل المعرفة ، وقطع عنه صحبة الأرذال المملوكين للظلم والأغيار ،وإذا أراد أن يخذله إبتلاه بعكس هذا فكان من المخذولين، فمع من تكن بحاله تكن ، أنت مع من احببت كما في الحديث  إنتهى

فسبيل الوصول إلى هذا النور أيها المحب… هو صحبة أهل الأنوارالذين هم شموس الهداية ولقد نبهنا الحق على إتباعهم فقال عزوجل : ( وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أنابَ إليَّ ) لقمان الأية 15 فالإنابة هي الرجوع إلى الله وشيوخ التربية المحمدية بلغوا أشرف مراتب الإنابة وذلك بخروجهم من ظلمات النفس والحس أو ظلمات العدم ورجوعهم  إلى النور الأصلي ، ولقد فطن لهذا الأصل كبار علماء الأمة فكانوا يبحثون عن صحبة أهل النور حتى يأخذوا من عندهم هذا النور النبوي ، فتجد على سبيل المثال لا الحصر  سلطان العلماء العز بن عبد السلام رضي الله عنه مع جلالة قدره ومكانته العلمية  يصحب الإمام  أبا الحسن الشاذلي رضي الله عنه ، وهذا الإمام النووي كان  يقتدي في التصوف بالشيخ الكبير ياسين المراكشي رحمه الله تعالى ويتأدب معه ويرجو بركته ، والإمام السيوطي والسخاوي وقبلهم الإمامين الشافعي و أحمد أصحاب المذاهب المعروفة فلقد كانوا يتواردون من حين لأخر على شيبان الراعي ذلك العبد الصالح الذي نور الله قلبه…فأضات قلوب كل من صحبه…وغيرهم كثير، فهكذا كان شأن السلف الصالح يتفقه احدهم ثم يتصوف ، والتاريخ يشهد على ذلك وهذه كتب التراجم بين أيدينا تثبت هذه الحقيقة ، وقد أشار إلى هذا الإمام الشافعي رحمه الله فيما نسب إليه في ديوانه قوله

 فقيهاً وصوفياً فكن ليس واحداً  ***   فإني وحقُ الله إياك أنصح

فذلك قاسٍ لم يذق قلبه تقـى ً     ***   وهذا جهول كيف ذو الجهل يصلح

والسبب في ذلك أنهم عرفوا أن سبيل الحصول على النور المحمدي لا يكون إلا بصحبة الأولياء أهل الأنوار والأسرار ، ومتابعتهم والإنقياد إليهم وإتباع منهجهم التربوي ، لان قلوبهم متصلة بقلب المصطفى صلى الله عليه وسلم ، فهم أهل السند المتصل فكل من صحبهم إتصل..فإفهم كلامي ففيه سر سعادتك

 

فإذا أيقنت هذا أيها المحب…عليك عندئذ أن تقتدي بهؤلاء الأئمة الذين منهم من بلغ درجة الإجتهاد المطلق ومنهم المجتهد المقيد ، ومع ذلك لم يقفوا مع علمهم ولا مع جاههم ولا مع حظوظ أنفسهم ، وما قيمة حظ النفس مع النور المحمدي…طبعا لا مجال للمقارنة ، فكن مثلهم وإبحث عن مرشد كامل فلقد أوضحت لك طريق الوصول إلى النور المحمدي ، أما أن تطمع أن تصل إليه بمجهودك الخاص فهيهات هيهات ، لأنه لو كان كذلك لما اضطر هؤلاء الأئمة مع علمهم وعملهم إلى إتخاذ مرشد حتى تستنير قلوبهم ، لذلك كان سيدي أحمد بن عجيبة رضي الله عنه وهو الفقيه المفسر والنحوي الشاعر يقول : لقد صمنا كثيرا وصلينا كثيرا وقمنا كثيرا…لكن لم نبلغ مبالغ الرجال إلا بصحبة الرجال ، كان يقول هذا بعد اخذه الطريقة الدرقاوية على يد سيدي أحمد البوزيدي رضي الله عنهما

 

وبعد فهمك لكل هذا أيها المحب…نجيبك عن قولك هل إذا وصلت إلى هذا النور الذي وصفت ، هل أكون حينئذ قد تعرفت على النبي صلى الله عليه تلك المعرفة التي يعول عليها أهل الله

فنقول لك نعم…فالناس ينقسمون في معرفة الحبيب صلى الله عليه وسلم إلى قسمين: قسم عرف ظاهره الشريف وهم عوام المسلمين ،وقسم جمع بين معرفة ظاهره وباطنه المقدس وهم خواص المسلمين فهم يتبعون أقوال وأفعال وأحوال وأسرار النبي صلى الله عليه وسلم جميعا بعكس غيرهم الذين لا يعرفون سوى أقواله وأفعاله عليه السلام وفي كل خير

ولقد قال إبن عجيبة رضي الله عنه : كل من رآى النبي صلى الله عليه وسلم في منامه فهو من الخاصة ، وكل من رآه يقظة على كنه صورته البشرية فهو من خاصة الخاصة ، وكل من رآه عليه السلام يقظة بصفته الروحيه النورانية  فهو من خاصة خاصة الخاصة

فرغم أن الذي شاهد النبي صلى الله عليه وسلم بصفته البشرية الجسدية فإنه لم يرى إلا روحه الشريفة متجسدة بصورته الظاهرية عليه السلام ، فرغم هذا الشرف لم يبلغ مبلغ الذي رآه عليه السلام بكنهه الروحي فهذا قد عرف المصطفى عليه السلام بصفته الحقيقية الإطلاقية ، وإلى هذه المشاهدة كان يشير سيدي أبو العباس المرسي رضي الله عنه بقوله   والله لو إختفى عني رسول الله صلى الله عليه وسلم طرفة عين لما أعددت نفسي من المسلمين  

وقد حكي عن الشيخ أبي الحسن الورقاني قال : أخبرنا الشيخ أبو العباس الطنجي قال : وردت على سيدي أحمد الرفاعي فقال : ما أنا بشيخك ، شيخك عبد الرحيم بقنا روح إليه، فسافرت إلى قنا فدخلت على الشيخ عبد الرحيم فقال لي : أعرفت رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقلت : لا ،فقال : روح إلى بيت المقدس حتى تعرف رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرحت إلى بيت المقدس فحين وضعت رجلي بالبيت وإذا بالسماء والأرض والعرش والكرسي مملوءة من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فرجعت إلى الشيخ ، فقال لي : أعرفت رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قلت : نعم قال لي : الآن كملت طريقتك ، لم تكن الأقطاب أقطابا والأوتاد أوتادا ، إلا بمعرفته صلى الله عليه وسلم

وهنا أيها المحب تحلو العبارة لأهل الإشارة…فتأمل كيف  أجاب شيخه عندما سأله أعرفت رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله : لا…رغم انه مسلم ويعرف نبيه من حيث الظاهر، إلا أنه أجاب بالنفي لعلمه أن رسول الله صلى الله عليه لا تتم معرفته إلا بالتعرف على حقيقته النورانية التي أثبتها الله في كلامه المقدس ، وأثبتتها العديد من الأحاديث النبوية ، وأثببتها سيرة الصحابة في تفاوت معرفتهم ووصفهم لرسول الله صلى عليه وسلم ، و أحوال الصديقون من ورثته عليه السلام على مر العصور وإلى يومنا هذا..ولقد سبق أن سردنا كل هذا في السابق فراجعه بالتدبر

والحمد لله رب العالمين
بقلم الفقير عبد الحفيظ الرباطي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق